|
(اسقٍ أخاك النمري) هي قصة عظيمة في تاريخنا في الإيثار لرجل اسمه كعب الأيادي فضل أخا له من بني نمرة و كانوا على سفر و شح الماء بحصته من الماء مرة تلو مرة، فلما بلغوا منزلهم صعدت روح كعب الى بارئها و قربته الى ربه على جناح من الكرم و الجود و التجرد الممهور بأغلى ما يملكه الانسان و هي نفسه التي بين جنبيه
و لقد دعى المصطفى صلى الله عليه و سلم للأشعريين بالرحمه لأنهم كانوا إذا نزلت بهم النوازل جمعوا زادهم و اقتسموه بينهم بالتساوي
و الخيرية مستمرة في أمة محمد تزداد توهجا في الأزمات، منها ما يظهر للعلن فيضرب المثل في البذل و الانفاق عن سعة أو ضيق ذات اليد، و منها ما يبقى سرا لأشخاص لا تعلم شمالهم ما أنفقت يمينهم، و في كل خير
و لقد سطر الشعب الأردني في حملة جمع التبرعات الأخيرة لصالح قافلة شريان الحياة من المكرمات ما هو ليس بغريب عليه فكان فيهم مثل سيدنا عثمان من يعطي عن سعة من رزق الله لعله يستحق نفس كرامته التي أعطاها الرسول إياه بعد تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك إذ قال عنه "لا يضر عثمان ما فعل بعد اليوم"
و منهم من كان مديونا و عيناه تفيض من الدمع حزنا لانه لا يجد ما يساهم به فيخرج ما في جيبه من دنانير معدودة يلفها كسرة القلب على الإخوان و كسرة القلب على ضيق الأحوال و عدم القدرة على البذل عند الحاجة و حالهم يذكر بدعاء ذلك الصالح الذي لم يجد ما ينفقه فقال "اللهم إني تقربت إليك بأحزاني"
و غيرهم يتبرع بأجر يوم من عمله، و الأطفال يأتون بمصروف جيوبهم و حصالاتهم حتى يتعلموا الإنفاق و الشعور بإخوانهم المسلمين فيشبون و يشيبون عليه بإذن الله
و الجميع يقتدون بنصرة الأنصار للمهاجرين و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة، و العطاء يمتد سنة و اقتداء من شق التمرة الى من أعطى نفسه و ماله و أبقى لأهله، كما فعل أبو بكر، الله و رسوله و كلها مقبولة عند رب العزة تسابق الى مغفرة و رضوان و جنات عرضها السموات و الأرض، كان عطاء من لا يأبه بحسابات البنوك و الأزمة الاقتصادية، و افلاس اليونان، و أسعار البورصة و العملات، و مؤشرات الأسهم، كان عطاء بميزان آخر و قواعد استثمارية مختلفة ترنو نحو " و ما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه و هو خير الرازقين"
إننا على اختلاف أحوالنا فقرا و غنى ما زلنا في سعة من العيش، فالأمن موجود،و الصحة كذلك، و ما زلنا نجد لقمة عيش صغرت أو كبرت، و هذه كلها ملاك الدنيا كما في الحديث النبوي، و لكن اخواننا في غزة لا يجدون بيوتا و لا حتى غرفا تعطيهم أي شعور بالأمن و خصوصية ودفء الأسرة، الزوجة لا تستطيع أن تسكن الى زوجها و لا هو إليها، و الطفل لا يأمن النوم في حضن أمه، و من ماتوا بسبب الحصار يزيدون على من ماتوا بحرب الأعداء
إن علينا أن نذكر و نحن نتلذذ بأطايب الطعام و نعاني من التخمة و نملأ خزائننا بتفتقات الموضة أن لنا اخوانا في غزة لا يجدون ما يأكلون أو يلبسون، و لا سقفا يؤويهم، و لا مدارس تعلم أبناءهم، و لا مستشفى يداوي مرضاهم، و لا وظائف تقوم بأمر حياتهم
إننا ان لم نضع أنفسنا منهم بهذه المنزلة الشعورية فإن عطاءنا سيبقى عطاء المقل، الذي يعطي موسميا أو كلما انتخى و تشجع، اما إذا أنزلنا اخواننا منا منزلة النصف و الشقيق الذي له حق معلوم فعندها فقط يمكن أن نحقق تلك الصورة التي رسمها لنا سيد الخلق جسدا واحدا تتداعى كل أعضاءه للنصرة إذا اشتكى عضو واحد، و الجسد الواحد هو الذي يصبر على الابتلاء و يأتي بالنصر
فمن لم يستطع هذه أو تلك فلا يبخلن بدعاء صادق من قلب صادق في وقت استجابة حتى لا نكون ممن تنالهم عتبى الطفل الفلسطيني الذي قال "اللهم اني أشكو إليك المسلمين نسونا حتى في الدعاء" |