
بعد حظر سياسي استمر
لعقود:
هل يحطم الإخوان قيود السجان؟!
علي عبدالعال
-
مجلة العصر-
حماسنا
-----------
في ظل
وقوعهم بين مطرقة الضربات الأمنية للنظام السياسي الحاكم في مصر،
وسندان التشويه الإعلامي، الذي جيشت له وسائل إعلام حكومية وقومية
ومستقلة (صحف، وإذاعات، ومحطات تلفزة)،
فاجأ "الإخوان المسلمون" الجميع
ـ نظام ورأي عام وجهات خارجية ـ بإعلانهم الرغبة في
تأسيس حزب سياسي
يعملون تحت رايته ـ للمرة الأولى ـ في مصر.
وجاء الإعلان بعد يومين فقط من تصريحات الرئيس المصري، حسني مبارك،
لصحيفة "الأسبوع" قال فيها:
إن الإخوان المسلمين خطر على أمن مصر، وإن صعود تيارهم من شأنه عزل
البلاد عن العالم،
وهو ما رأت فيه الجماعة مؤشراً على إعداد (مبارك) المسرح لتهميش دورها،
وتوطئة لتكريس سيناريو التوريث لنجله جمال.
واعتبر
النائب الأول للمرشد، الدكتور محمد حبيب، تلك التصريحات، نوعاً من
التغطية على التعديلات الدستورية؛ لتهميش دور الإخوان في الحقبة
المقبلة من خلال إثارة الرأي العام وتخويفه. وقال حبيب: "إن مليوني
مواطن مصري انتخبوا نواب الجماعة في الانتخابات التشريعية الماضية،
وهؤلاء جميعاً لا يمكن أن يكونوا خطراً على أمن مصر".
وقد تضمنت التعديلات الدستورية المقترحة التي تقدم بها مبارك إلى
مجلسي الشعب والشورى،
حظر أي
نشاط سياسي أو حزبي يقوم على
أساس ديني،
فيما اعتبره محللون
مؤشر على ديمومة الحظر المفروض رسمياً
على أقوى قوى المعارضة في البلاد، منذ ما يقرب من قرن، أشار الإخوان
إلى عدم تجاهلهم موقف النظام الحاكم ـ المعروف سلفاً ـ من خطوة كهذه،
وقالوا: إنهم لن يتقدموا بمشروع الحزب إلى "لجنة شئون الأحزاب"، لأن
الجماعة تعتبر هذه اللجنة "غير دستورية" على اعتبار أنها خصم وحكم في
وقت واحد.
ولم تمض بضع ساعات على إعلان الجماعة حتى شنَّت أجهزة الأمن، فجر
الأحد 14/1/2007م حملةَ اعتقالات جديدة في صفوفها، طالت
الدكتور محمد علي بشر سكرتير مكتب الإرشاد،
والدكتور عصام حشيش
الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة، وأحد قيادات الإخوان بمحافظة
الجيزة.
كما قامت قوات أمن الدولة باعتقال
عدد من رجال الأعمال
في محافظتَي القاهرة والإسكندرية، على رأسهم المهندس مدحت الحداد (رئيس
مجلس إدارة الشركة العربية للتعمير)، وأسامة عبد المحسن شربي (رئيس
مجلس إدارة شركة إيجليكا للسياحة)، والدكتور عبد الرحمن سعودي (رئيس
مجلس إدارة شركة التنمية العمرانية)، والدكتور خالد عودة الأستاذ بكلية
العلوم جامعة أسيوط ونجل الشهيد عبد القادر عودة.
حيث تأتي محاولة الجماعة لتأسيس الحزب، في ظل أجواء ساخنة تطغى على
المشهد السياسي في مصر، خاصة في ظل مناقشة مقترحات الرئيس مبارك بتعديل
34 مادة من الدستور، منها مواد هي الأبرز لتناولها الانتخابات الرئاسية
وطريقة انتخاب رئيس الجمهورية، ورفض تعديل المادة 77، التي لا تحدد مدة
بقاء الرئيس في الحكم، فيما تطالب المعارضة بتحديدها بفترتين فقط.
ويشير
المراقبون إلي
أن الإعلان عن حزب للإخوان،
في هذا التوقيت، يأتي في إطار مواجهة التصعيد بالتصعيد، بعد أن وجه
النظام المصري
ضربتين موجعتين للإخوان، الأولى : باعتقاله أكثر من مائة وثمانين طالباً من طلاب الجماعة في
جامعة الأزهر، إضافة إلى عدد من قادة الجماعة، على رأسهم النائب الثاني
للمرشد المهندس خيرت الشاطر. ثم جاءت الضربة الثانية: باعتقاله عدد من
رجال الأعمال، فضلاً عن إغلاق عدد من دور النشر والمؤسسات الاقتصادية
التي يديرونها..
وهو ما فتح باب التساؤل حول ما إذا كانت الجماعة مقبلة على ضربة شاملة
من قبل النظام الحاكم؟
وتشير المعلومات حول ملف الإخوان مع الحكومة المصرية، إلى أن حصول
الجماعة على أكثر من 2% من مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات البرلمانية
الأخيرة ـ رغم منافستها على أقل من 3% فقط من المقاعد ـ
أثار مخاوف النظام السياسي،
من صعود تيار الإخوان، خاصة في ظل قربهم من الشريحة الواسعة من المجتمع
المصري بكافة فئاته وطبقاته.
حيث شغل "الإخوان" 88 مقعداً في مجلس الشعب ـ المكون من 454 مقعداً ـ
بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت عام 2005م، وبرزوا كأقوى معارضة
في البلاد منذ ما يقرب من قرن. وتتقدم الجماعة ـ في ظل الحظر الرسمي
المفروض عليها ـ بمرشحيها للانتخابات العامة كمستقلين تفاديا للحظر
المفروض منذ عام 1954م، وتعمل الجماعة في العلن نسبياً في حين تستهدفها
الحكومة بحملات أمنية مشددة.
وفي منحى
تخويفي من مستقبل المصريين إذا حكم الإخوان،
قال الرئيس مبارك: "إن كثيرين سيأخذون أموالهم ويهربون من البلاد، كما
أن الاستثمارات ستتوقف والبطالة ستتزايد، بل وستعزل مصر نهائياً عن
العالم". وهو ما حمل المرشد العام للجماعة، محمد مهدي عاكف، إلى اتهام
النظام المصري بـ"افتعال خصومة سياسية (مع الجماعة) من دون سبب". وأشار
إلى أن هناك من يسعى لـ "إشعال النار في مصر، حتى يتمكن المستبدون من
إحكام السيطرة على البلاد وتنفيذ الأجندة الأمريكية والصهيونية في
العالم الإسلامي"، مستغرباً الحملة الأمنية التي تشنها السلطات ضد
جماعته، معتبراً أن "لا منطق فيها ولا سبب".
ورأى محللون أن تصريحات مبارك بأن الإخوان خطر على أمن مصر، ربما تحمل
رسالة للخارج، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن تكون رسالة
إلي الداخل، تهدف فيما تهدف، إلى أن يرضى الجميع ويقبل بحكم الحزب
الوطني وبالنظام القائم، بدلاً من بعبع الإخوان.
وقد
تضمنت التعديلات المقترحة
على الدستور ـ التي تقدم بها الرئيس مبارك، إلى مجلسي الشعب والشورى ـ
طلب حظر أي نشاط سياسي أو حزبي يقوم على أساس ديني، وهو ما جعل
المحللين يعتبرون أن هذا
الحظر يستهدف في المقام الأول جماعة الإخوان. وقد رفضت "لجنة الأحزاب" ـ خلال
الأيام القليلة الماضية ـ إعطاء الترخيص لـ13 حزبًا تحت التأسيس، من
بينها حزب "الوسط" ذو المرجعية الإسلامية، وذلك في قرار أيدته محكمة
الأحزاب، رافضة الطعون التي تقدم بها الساسة المؤسسون لهذه الأحزاب.
وهو ما حمل
منظمة "هيومن رايتس ووتش"
على أن تنتقد، في تقرير لها، احتكار الحزب "الوطني" الحاكم للسلطة
السياسية في مصر، من خلال حرمان المعارضين من حق تشكيل الأحزاب
السياسية. وقالت (سارة ليا ويتسن) مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال
إفريقيا في المنظمة: "تستخدم الحكومة قانون الأحزاب السياسية منذ عقود
لترتيب نتائج الانتخابات قبل أن تبدأ".
وتابعت تقول: "تحتاج مصر إلى قانون جديد للأحزاب السياسية يحترم حقوق
المصريين في تشكيل الأحزاب، وفي التصويت لمن يقع عليهم اختيارهم". حيث
تشير ورقة المنظمة تحت عنوان "احتكار للسلطة: قانون الأحزاب السياسية
المصري"، إلى السلطات الواسعة التي يمنحها قانون الأحزاب الحالي للجنة
الأحزاب السياسية، وهي هيئة يهيمن عليها الرئيس والحزب الحاكم.
وفي ردِّه على سؤال بشأن استمرار إشكالية الحظر، بعد تأسيس الحزب
الجديد من غير طريق لجنة الأحزاب، قال عضو مكتب الإرشاد،
عبد المنعم أبو الفتوح: إن هذا الكلام يوجَّه إلى المسئولين لا إلى الجماعة؛ بسبب إتباع
الحزب الحاكم مبدأ فصل المشروعية الشعبية عن المشروعية السياسية،
مشدِّدًا على ضرورة إصدار قانون أحزاب مغاير لما هو قائم.
وفي غضون ذلك، وصفت السلطات مساعي "الإخوان" لتشكيل حزب سياسي يعبر عن
الجماعة، بأنه مجرد مناورة للفت الأنظار، وإرباك أجهزة الأمن، بهدف
التخفيف من حدة الهجوم على الجماعة، ولينفوا أمام الرأي العام اتهامات
وجهت إليهم بمحاولات السعي لإقامة دولة دينية في مصر.
وعلى صفحتها الأولى في عددها الصادر يوم الأحد، نقلت
صحيفة "الأهرام" الحكومية عن مصدر أمني قوله: إن جماعة الإخوان ـ وفي ظل الظروف التي
تواجهها داخليا وخارجياً، بعد كشف أهدافها الحقيقية عقب استعراض
الميليشيات بالأزهر ـ
تسعى إلي تحسين الصورة
أمام الرأي العام بالحديث عن مسألة وهمية تتعلق بالحزب المزعوم،
فالجماعة لا يمكنها أن تتقدم بأوراق إلى لجنة شئون الأحزاب، لأنها غير
معترف بها، ومحظور نشاطها بحكم القانون".
وفي إطار
التصعيد المتبادل بين النظام والإخوان، رأى حسن نافعة، أستاذ العلوم
السياسية في جامعة، أن: "صيغة العلاقة بين الإخوان المسلمين وبين
الدولة، خاطئة، تؤدي إلى احتقان الحياة السياسية"، مضيفاً أن: "الحزب
الوطني (الحاكم) له مصلحة في استمرار هذه الصيغة، لكي يستخدم الإخوان
المسلمين كبعبع يبرر به استمرار سيطرته على الحياة السياسية". وتساءل:
كيف يمكن أن نتحدث عن جماعة محظورة، وفي نفس الوقت نعترف أن لهذه
الجماعة 88 عضواً في مجلس الشعب؟!
ومن جهتهم،
رحب سياسيون وباحثون بمبادرة الإخوان
نحو تأسيس حزب سياسي يمثل الجماعة، مادام في إطار الدستور والقانون،
وقال الدكتور عبدالأحد جمال الدين زعيم الأغلبية في مجلس الشعب، لصحيفة
"المصري اليوم": أرحب بأي حزب أو تنظيم سياسي في مصر مادام يخضع في
النهاية للدستور والقانون. وأضاف: إن قيام الحزب يعني خضوعه للدستور
الذي يحظر أن تكون مرجعية الأحزاب دينية أو عنصرية أو طائفية، كما يضمن
تحقيق الشفافية المالية ورقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. واعتبر جمال
الدين تشكيل حزب سياسي لأي تنظيم يقوي الحياة السياسية والحزبية
ويفعلها.
أما
المثقفة القبطية، الدكتورة مني مكرم عبيد، أستاذة
العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية،
فقد رحبت بحزب الإخوان،
وأعلنت موافقتها على قيامه
شرط أن يفصل بين النشاط الدعوي والسياسي،
وقالت: إن الإخوان قوة سياسية كبيرة في الشارع، ومن حقهم تشكيل حزب
سياسي، لكن عليهم احترام قواعد اللعبة السياسية لأن مصر دولة مدنية.
كما أيدت مني مكرم عبيد الإخوان في عدم توجههم للجنة شؤون الأحزاب
للحصول علي رخصة الحزب، وقالت: إن هذه اللجنة غير دستورية والأحزاب يجب
أن تتكون بمجرد الإخطار، نافية أن يكون لهذا الحزب أي خطر علي الأقباط
في مصر.
ومن جهته، رفض
الدكتور عزيز صدقي
المنسق العام للجبهة الوطنية للتغيير، اعتبار إعلان الجماعة عن تأسيس
حزب سياسي بالمفاجأة، وقال: إن الإخوان أخبروا الجبهة في الاجتماعات
المشتركة بينهما بنيتهم تأسيس حزب منذ فترة طويلة. وأضاف صدقي: إن
الإخوان ليسوا هم مشكلة مصر الرئيسة،
مرحباً بإعلان الإخوان فصلهم العمل الدعوي عن العمل السياسي.
كما وصف
الدكتور عمر هاشم ربيع رئيس وحدة النظم السياسية بمركز
"الأهرام" للدراسات السياسية والإستراتيجية، إعلان الجماعة بالبدء في
إجراءات تأسيس حزب، بالمحاولة لإحراج النظام الذي يتذرع في حظر
الجماعة، لعدم وجود حزب لهم.
وقال إنه ينطوي علي صدام مع الدولة بسبب الإعلان عن عدم تقديم الجماعة
بأوراق الحزب إلى لجنة شؤون الأحزاب، متوقعاً
عدم موافقة النظام على منح الجماعة ترخيصاً لحزبها لممارسة النشاط السياسي، وقال: من المستحيل أن يوافق النظام علي حزب
للجماعة.
وفي حين تربطه قيادات في المعارضة المصرية بقضية إقصاء الجماعة عن
الساحة السياسية في الداخل، ربط
جورج إسحاق
المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، بين تصريحات
الرئيس مبارك ومحاولة الدولة تمرير التعديلات الدستورية التي يناقشها
البرلمان حالياً. وقال إسحاق لصحيفة "الشرق الأوسط": "إن موقف الدولة
واضح قبل تصريحات مبارك ومنذ بدء الحديث عن التعديلات الدستورية
الأخيرة"،
موضحاً أن الهدف هو استبعاد الإخوان من التعديلات وتجنب اعتراضاتهم داخل البرلمان على صياغات هذه
التعديلات. وحذر إسحاق من مخاطر استبعاد جماعة الإخوان المسلمين من
العملية السياسية، وقال: "هذا فصيل سياسي موجود فعليا، ولا يجب استبعاده بأي حال".
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤