
فتنة الإخوان
د. رفيق حبيب - المصريون - حماسنا
-----------
تتواصل
أخبار الخلافات الداخلية بين أعضاء وكوادر جماعة الإخوان المسلمين،
وبين القيادات. وكثيرا ما تكون الأخبار حول الخلافات بين القيادات
أنفسهم. وبالطبع نجد صورة إعلامية غير دقيقة،
لأنها إذا
كانت دقيقة لانتهت الجماعة منذ زمن طويل، أو لتعرضت الجماعة لانشقاقات واسعة
تضرب كيانها التنظيمي في مقتل.
ومن
الواضح أن أجهزة الأمن المصرية تراهن أحيانا على حدوث انشقاقات
داخلية في الجماعة، وهي تعلم في ما يبدو أن الانشقاق الداخلي هو
الوسيلة
الوحيدة لضرب الجماعة، التي استطاعت الصمود أمام كل
الضربات الأمنية التي تعرضت لها. لهذا نجد توجها أمنيا بدفع وسائل
الإعلام القريبة من السلطة أو القريبة من جهاز الأمن المصري، لنشر ما
يمكن اعتباره انشقاقا داخليا أو أزمة داخلية أو أسرارا عن المشكلات
الداخلية.
وتندفع الصحف بعد ذلك لنشر الأخبار في محاولة لمتابعة الخبر، حتى يكبر
الخبر بصورة تجعل منه وكأنه محطة مهمة في تاريخ الجماعة.
ولكن بعد
ذلك تهدأ العاصفة، ولا نجد تحولا في جماعة الإخوان أو
تشقق في تنظيمها، وربما نجد في النهاية أن عضوا أو قياديا قد خرج من
الجماعة أو جمد نشاطه بها. وحتى خروج عضو من الجماعة مهما كان دوره
ومستواه القيادي، يحدث من خلال زوبعة إعلامية تعطي إيحاء بأن هناك
عملية انشقاق داخلي، وليس مجرد مشكلة بين أحد القيادات وبقية قيادات
الجماعة.
وبالطبع
تختلف المشكلات التي يتعرض لها تنظيم الإخوان في
الشدة والأهمية، ولكن التغطية الإعلامية أحيانا تصعب التمييز بين
المشكلة الصغيرة والمشكلة الكبيرة. ولذلك نجد أنفسا بصدد أخبار مستمرة
عن الانشقاقات داخل الإخوان،
وكأنها نوع من التمني
من قبل بعض الأطراف أو من قبل النظام
الحاكم أو الأجهزة الأمنية أو بعض التيارات السياسية، وهو ما يجعلنا لا
نرى الصورة الدقيقة عن ما يجري داخل الجماعة.
ربما يكون
من الصعب الاقتراب من الصورة الداخلية كاملة لتنظيم مثل
جماعة الإخوان المسلمين، فحتى القيادات ليس لديهم صورة كاملة عن كل
التفاصيل الداخلية، نظرا لتشعب الجماعة وتمددها وكثرة التفاصيل
والأنشطة والأحداث اليومية.
ولكن
بالطبع سنجد قيادات الجماعة
تتابع
تفاصيل المواقف والأحداث المهمة،
وتتخذ الإجراءات اللازمة في المواقف المؤثرة، خاصة تلك التي
تخص المشكلات المتعلقة بأي من قيادات الجماعة.
ولكن
هل وجود المشكلات خطأ، أو يعبر عن خطأ داخلي، وبالتالي يستلزم توجيه
اللوم للجماعة ومطالبتها بتغيير طريقة الإدارة الداخلية للجماعة؟ أو هل
كل مشكلة تحدث تمثل خطأ من صاحب المشكلة لدرجة تستلزم توجيه اللوم له؟
في الواقع نجد أن متابعة حركة الجماعة ونشاطها، وتنوع الأعضاء
والقيادات، يجعل تلك المشكلات أمرا طبيعيا،
ومن غير
الطبيعي أن لا تحدث تلك المشكلات. أعني بهذا أنه إذا لم تحدث أي مشكلات
داخلية، ولم يعترض أحد على القيادات، ولم يخرج أحد من الجماعة، تكون
هناك مشكلة حقيقية،
لأن
الطبيعي أن يختلف الناس خاصة في جماعة كبيرة، ومن الطبيعي أن
نجد من لا يريد الاستمرار في الجماعة أو من تختلف رؤيته عن رؤية
الجماعة لدرجة تجعله لا يستطيع الاستمرار. لهذا علينا النظر لقضية
الخلافات الداخلية من وجهة نظر أخرى، وهي تلك المتعلقة بوسيلة الجماعة
في مواجهة المشكلات الداخلية، وأيضا المدى الذي تسمح به الجماعة من
التنوع الداخلي.
وجماعة
الإخوان كغيرها من المؤسسات، لديها أجهزة للشورى وأجهزة تنفيذية. وفي
أجهزة الشورى يكون الرأي بالأغلبية، وبعد اتخاذ القرار يحول إلى
الأجهزة التنفيذية، أي المعنية بتنفيذ القرار، وهنا يصبح القرار نافذا،
وعلى الجميع الامتثال له، وهنا يظهر دور الطاعة، فالقرار يجب أن
ينفذ، وهو ما نجده في أي مؤسسة، فاتخاذ القرار يتبع الوسائل
الديمقراطية، أما تنفيذه فيتبع الوسائل الإدارية، وهي تقوم بالفعل على
الطاعة.
والمشكلة تحدث إذا أختل التوازن بين مرحلة الشورى ومرحلة التنفيذ،
فلم يعطى للشورى المساحة اللازمة لاتخاذ القرار بالأغلبية من الجهة
المنوط بها اتخاذ القرار، وتم تعجل مرحلة التنفيذ.
والمشكلة
أيضا تحدث من قبل العضو صاحب المشكلة، أو
التارك للجماعة، عندما يحاول تنفيذ رأيه أو فرضه، ولا يرضى بقرار
الأغلبية تحت أي مبرر. الأمر الآخر، يرتبط بمدى ما تسمح به الجماعة من
تنوع داخلي، والمقصود هنا أن صاحب الرأي المختلف عن رأي الآخرين داخل
الجماعة، سوف ينشر رأيه داخل الجماعة، ويحاول جمع الأغلبية حوله، حتى
بعد اتخاذ قرار بالشورى ضد رأيه، على أساس أنه ربما يقنع الآخرين بهذا
الرأي. وهنا يصبح الأمر معقدا، فلا يمكن القول بأن على الجماعة السماح
بأي اختلاف في الرأي داخلها، فهذا في حد ذاته يخيف المتعاملين مع
الجماعة والجمهور العام، لأنه قد يؤدي إلى تسرب التطرف إلى جسم
الجماعة. وفي نفس الوقت لا يمكن أن يطلب من الجميع تغيير رأيهم،
ليتوافق مع رأي الأغلبية، بل يمكن فقط أن تطلب الجماعة من الجميع
الالتزام بالرأي الذي قررته الأغلبية، لا أن تطلب من المختلف مع هذا
الرأي تغيير قناعاته.
وهنا نعود مرة أخرى للتوازن بين
عمل الشورى وعمل التنظيم التنفيذي، وأيضا يظهر هنا عامل مهم وهو دور
القيادات في الحفاظ على رسالة الإخوان والحفاظ على توجهاتها الأساسية.
لهذا تحدث
المشكلة الحقيقية، عندما يتراجع دور الشورى، أو يفرض
رأي خوفا على الجماعة دون مبرر كافي، ودون العودة لمؤسسات الشورى داخل
الجماعة
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤