
هذا هو ... مستقبل الواقع السياسي الفلسطيني..!!
بقلم: عماد عفانة - صحفي وباحث سياسي - حماسنا
-----------
لا شك أن
دخول حركة حماس القوي الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد أثار جدلاً
واسعاً حول ما إن كانت حماس قد وصلت إلي نهاية طريق المقاومة، أو أنها
تسعي لقطف ثمرة تضحياتها مبكرا عبر الحصول علي حصة تتفق وحجمها
الجماهيري ووزنها السياسي من السلطة والحكم،
وبالرغم من قناعاتنا بخطأ هذا الافتراض وهذا المنطق السطحي في
تحليل الأمور، خاصة بعد قيام الاحتلال بتغييب الآلاف من قيادات حماس
وكوادرها في الضفة والقطاع ما يقرع بعنف أجراس الاحتلال في جميع
الأذهان التائهة، ويدفع في الوقت ذاته حماس لاستمرار المقاومة بل
وتصعيدها.
إلا أن ما أكدته أحداث العام الماضي 2006م هو أن هناك دوافع أخرى
وراء المشاركة في الانتخابات، احدها ربما تجنب ضربة عسكرية واسعة،
إضافة إلى حماية لبرنامج المقاومة
وتحصينه بالشرعية.
ولكن ربما ما لم تدركه قيادة حركة حماس ، بَعدَ نشوة بل صدمة النصر
الكبير في الانتخابات أن الوضع الفلسطيني يمر بمرحلة انتقالية يصعب
معها تقدير الأمور بدقة، من حيث إن كانت حماس ستجد لها مكانا ثابتا
وملائما على الخريطة السياسية التي مهدها لها فوزها الكاسح
بالانتخابات.
فقد نظر البعض إلى حماس بعين الخطأ كونها لم تبذل جهداً أكبر وأطول
لتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ ولم يشفع لحماس عند هذا البعض حصول الحكومة
العاشرة علي الثقة من المجلس التشريعي، فيما رأى البعض الآخر أن حكومة
حماس فقدت زمام المبادرة أمام هجمة التظاهرات المطالبة بالرواتب، غير
أنهم سجلوا لها مع ذلك صمودها في وجه الحصار، رغم ما تعرضت له من
ضغوط، الأمر الذي لولاه لما تحقق لقاء مكة.
لا
شك أن أزمة العام 2006 كشفت أن القوي الفلسطينية الأخرى، بما في ذلك
فتح كانت مخطأة إلى حد بعيد لامتناعها عن
المشاركة في حكومة الوحدة، وانه كان عليها أن تدرك أن وجودها
مرتبط بتقديمها المصلحة الوطنية علي المصالح الفئوية بل والشخصية
الخاصة، وأن ذهابها إلي خيار ترك حكومة حماس للغرق وحدها كان تقديراً
وضعها في خانة التأمر مع الأعداء على الشعب وحكومتهً المنتخبة، وما زاد
من تعرية هذا الموقف هو التصميم الكبير الذي أبدته حماس علي تحمل
المسؤولية التي ألقاها الشعب علي كاهلها في الانتخابات.
لقد بات الجميع يدرك الآن على الأقل
أن
نتائج الانتخابات أكدت بما لا يدع مجالا للشك حقائق التحولات السياسية
العميقة في الساحة الفلسطينية، التي بدأت منذ انطلاق حماس كحركة مقاومة
على الخارطة الفلسطينية في الثمانينيات من القرن الماضي، وتعززت بعد
توقيع أوسلو والرفض الشديد الذي أبدته حماس والذي عبرت عنه بجملة من
العمليات الفدائية في العمق الصهيوني والذي حفرت حماس من خلاله موقعها
على خارطة الأجندات الدولية، هذه التحولات أشارت إلي صعود التيار
الإسلامي، ولم يقتصر هذا الصعود علي الساحة الفلسطينية، بل كانت ظاهرة
عربية وإسلامية شاملة متصلة ومتزامنة، ما اثبت انه لا يمكن للقضية
الوطنية الفلسطينية أن تتقدم إن ظلت هذه القوي الفلسطينية الإسلامية في
مقاعد التجاهل و المحاصرة وليس في مواقع صنع القرار وتنفيذه.
بعد كل ما مر على الشعب الفلسطيني من أزمات منذ صعود حماس السياسي باتت
الصورة أكثر وضوحا لجهة أن الأزمة الفلسطينية من خلاف متعدد المستويات
بين برنامج حماس وفريق الرئيس عباس حول السياسات والصلاحيات، وحول
الحكم والقرار؛ هي مجرد نتائج وثمار للرفض الإسرائيلي والأمريكي لتبلور
نهج سياسي فلسطيني وطني جديد للتعامل مع القضية الفلسطينية.
لهذا لم ينجح اتفاق مكة
رغم
توفيره فرصة كبيرة لإعادة التوافق الفلسطيني الداخلي وتشكيل حكومة وحدة
وطنية، ذلك أن استحقاقات صعود حماس السياسي كحركة مقاومة ومشاركتها
القوية في السلطة ، يفرض استحقاقات تتجاوز تشكيل حكومة الوحدة من هذه
الاستحقاقات، اعتماد السلطة الفلسطينية علي المساعدات الأمريكية ـ
الأوروبية، مما يعني الارتهان للإرادة الإسرائيلية الأمر الذي شكل وما
زال خطراً علي كامل القضية الفلسطينية.
حماس أدركت منذ البداية هذا الخطر لذلك
رأينا أنها ومنذ فوزها في الانتخابات كيف حاولت تصويب البوصلة
والارتماء في الحضن والعمق العربي والإسلامي
وجعلته أولوية أولوياتها للفكاك من الارتهان للصهيوني والأمريكي كأحد
وسائل تصليب الإرادة الفلسطينية
ورأينا
كيف انه بح صوتها وهي تعمل وتطالب
بإعادة بناء هيكل السلطة بكافة مستوياتها
ومرجعياتها علي أساس وطني، ما يعني التخلص من الطبيعة السياسية الفئوية
لأجهزة الأمن وللبيروقراطية الفلسطينية التي أثمرت فسادا أزكمت رائحته
الأنوف وشوه صورة النضال الفلسطيني، وجعل من مؤسسات السلطة وكأنها
امتداد لحركة فتح ، أو حتى لأجنحة وتيارات معينة سمي مؤخرا بالتيار
الذي أنجبته سفاحا اتفاقات أوسلو.
كما سمعناها طويلا وهي تطالب بقوة وإلحاح بضرورة بدء العمل الفعلي
لإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيلها،
وجعلها أكثر تمثيلاً لحقيقة الاتجاهات السياسية الفلسطينية وللشعب
الفلسطيني ككل، ولتكون مدخلا لابد منه لشراكة وطنية حقيقية في إدارة
الوطن وصنع القرار الوطني، ولتكون أرضية لابد منها للوصول إلي برنامج
سياسي وطني مقاوم يتمحور حول تحرير القدس، ومواجهة الجدار والمستوطنات
وعودة اللاجئين وإقامة الدولة التي باتت تمثل الحد الأدنى من القواسم
المشتركة بين الجميع.
ولكن بعدما وقع ما وقع في غزة حيث ثبت أن الشرعية لا تمنح بل تصنعها
القوة، وان التاريخ تكتبه فقط الأحذية الثقيلة، ورأينا أن
نجاح حماس في تحرير آلان جونستون منحها
صورة مشرقة وثناء كبيرا خاصة في الغرب فيما اكتفى جونستون بتوجيه الشكر
للرئيس عباس الذي برز في صورة النادل الذي يتلقى الإكرامية.
إسرائيل أعلنت بالأمس موافقتها على الإفراج عن
250 فتحويا لا تعرف مواصفاتهم في محاولة فاشلة لمنح انجاز مزيف
للرئيس عباس في مقابل حماس بعد أفرجت إسرائيل عن مئات ملايين الدولارات
من أموال الضرائب التي حجبتها حكومة فياض عن عشرات آلاف الموظفين في
غزة، ولكن في المقابل فان حماس هي من سينجح
في النهاية في الإفراج عمن تريد من الأسرى الهامين مقابل إطلاق
جلعاد شليط. لأن شليط مثل جونستون لن يعود إلا من خلال حماس وحدها
لأنها وحدها التي أثبتت قدرتها ورغبتها في فرض القانون في غزة .
مصلحة
إسرائيل في إبقاء الانقسام على الوطن الفلسطيني المقسم أصلا لا تخدم
بالضرورة مصلحة مصر التي توفد هذا الأسبوع عمر سليمان، فالوضع القائم
هو بالنسبة لمصر هو التهديد، وحكومة الوحدة الفلسطينية هي الضرورة،
ولنجاح الجهود المصرية في توحيد الصف الفلسطيني يجب أن يبدي المجتمع
الدولي استعداده لإنهاء الحصار المفروض على غزة، وإنهاء هذا الحصار
مرتبط بموافقة إسرائيل التي يجب على المقاومة أن تثبت لها أن الانقسام
الفلسطيني هو بالنسبة لها تهديد وليس فرصة.
في ظل هذا الموقف المعقد يتصور البعض خطأ انه باستطاعته أن يطوع الطرف
الآخر من خلال حصاره وتجويعه والتحريض والانقلاب عليه، إلا أن هذا
البعض آفاق على شبه إجماع عربي على ضرورة العودة إلى طاولة الحوار
الحقيقي والوطني وبأجندة وإرادة وطنية الأمر الذي طالبت وما زالت به
حركة حماس قبل وبعد ما وقع في غزة، وهذا ما نتوقع له أن يتم ولكن بعد
أن تخفت نيران الغضب من صدور البعض.
ولا نتوقع أن يخرج الحوار عن النقاط التي طرحناها، ولا يتوقع البعض من
حماس أن تخرج عن هذه المحاور للحوار، فهذه المحاور هي إستراتيجية
لقضيتنا حاضرا ومستقبلا.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤