
سؤال برىء
لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون شرمياً
محمد حماد – العربي - حماسنا
--------
لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون شرمياً، وخفت أن يأتى يوم يجد الرئيس
نفسه موزع بين العمل على مصلحة مصر فى الوقت الذى تتعارض هذه المصلحة
مع مصالح الشقيقة الكبرى شرم الشيخ، وكنت أعرف أن أى تعارض لن يكون فى
غير مصلحة شرم الشيخ حماها الله، باعتبار أن مصر
رعاها الله لا يزال أمامها مشوار طويل لكى تصبح مثل شرم الشيخ،
وهى قبل أن تصل إلى هذا المستوى من الترقى والتقدم والرفاهية لا يمكن
لعاقل أن يبدى مصالحها على مصالح بلد مصروف
عليها دم قلب المستثمرين، بلد لا تشعر فيه بأنك أساساً فى مصر،
أو من مصر، تدخلها أنت والسياح والإسرائيليون
بسلام آمنين، بلد لا يعرف حقد الحاقدين، ولا يطأ أرضها غير
الناس الكويسيين، وأولاد الناس المتريشين، وهى ليست كأى قطعة أرض من
مصر، إنها القطعة الأولى بالرعاية، القطعة العزيزة على القلب، بل هى
قطعة من القلب، فيها يقضى الرئيس معظم فترات السنة، إلا قليلاً، وفيها
يزوره كبار رجالات العالم، وفيها تعقد مؤتمرات
تطلبها أمريكا، وفيها تحب كونداليزا رايس أن تلتقى بمنوشهر متقى
بعيداً عن أعين الكاميرات المتلصصة، وفيها تجرى مصالحات بين إسرائيل
ومن تريد من العرب، وفيها تعقد أعياد الميلاد، وفيها تمتد موائد
الطعام، وتقام حفلات الزواج، وفيها الهدوء والأمن المطلوبان لراحة
البال، وفيها يبعد الرئيس عن قرف القاهرة ومشاكلها، ويبتعد عن زحمة
ناسها وضجيجهم، ويفارق صخب الأفندية المتحدثين عن الإصلاح السياسى،
وفيها لن تجد سحابة سوداء ولا حتى سحابة زرقاء،
ليس فيها غير السماء الصافية، وهى لا تعرف غير زرقة البحر، ولا تعرف
غير الهدوء والسكينة، ولن تجد فيها، وهذا هو المهم،
مظاهرات لكفاية ولا هتافات من نوعية: لا
للتمديد، ولا للتوريث، هنا كل شيء يهتف للتمديد إلى الأبد، وكل
حجر ينادى على التوريث أن يأتى بلا ضجيج، هنا الأوضاع منسجمة مع بعضها،
وأهلها متحابون، ويكفى أنهم تركوا لنا مصر كلها نلعب فيها على راحتنا
وابتعدوا عن كل مشاكلنا وتركوا لنا فرصة حلها على كيفنا!
ولم أكن لأصدق الذين لفتوا نظرى إلى أن
التعديلات الدستورية شملت تعديلاً جوهرياً على القسم الجمهورى أدخلت
بمقتضاه على القسم إضافة ليصبح: أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على
النظام الجمهورى، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب
رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه، وأن أسهر على
رعاية مصالح وأمن شرم الشيخ وأن أقف ضد كل ما يضرّ بالسياحة والهدوء
والأمن فى المدينة المقدسة، واعتبرت مثل هذا الكلام من مزايدات
المعارضة التى لا ترى غير الجزء الفارغ من الكوب!
الذين ينظرون إلى الجزء المملوء من الكوب يقولون إن مشروع الجسر الذى
يربط السعودية بمصر قد يخدم حجاج بيت الله
ومعتمريه خدمة لا تمحى على مر الزمن، وقد يحقق حلماً راود
المصريين قبل السعوديين، وقد يفوت الفرصة على
ممدوح إسماعيل لكى يقتل المزيد من المصريين أو يقدمهم وجبات
شهية لأسماك البحر الأحمر التى تعودت على اللحوم المصرية الطازجة،
وصحيح أنه ليس مجرد جسر يربط بلدين، حيث سيربط
قارتين، ويصل بين مشرق الوطن العربى ومغربه، ولكن هل يمكن أن
ينفى أحد أن الشرم يمثل مستقبل مصر، وإذا كان ذلك صحيحاً وهو صحيح فلا
يمكن أن نؤمم المستقبل لصالح الماضى إلا فى الدول الديكتاتورية، أما
فى دولة المواطنة واحترام الدستور، فإن أمن الشرم مقدم على أى أمن
عداه، واللى مش عاجبه يشرب من البحر الأحمر، من مكان بعيد عن الشرم!
وقد استغربت من أن أحداً من نظام الرئيس مبارك لم يدرك الأبعاد
الحقيقية وراء الهبة الرئاسية التى واجهت العدوان السافر الذى كان
يستهدف هدوء وأمن، وفنادق وسياح الشرم، وحتى الآن لم أسمع أن وزير
إعلام لجنة السياسات أصدر تعليماته بالتحضير لتغيير النشيد الوطنى،
وتصورت أننى سأقرأ فى جريدة الأهرام وعلى صدر صفحتها الأولى قراراً
بتكليف اللواء الدكتور جمال سلامة ليشرف على إعادة كتابة النوتة
الموسيقية للنشيد المعدل والذى يقول مطلعه:
شرم يا أم البلاد...
أنت غايتى والمراد..
شرم أنت أغلى درة..
فوق جبينك يا مصر حرة..
واسلمى رغم الكبارى...
ولذلك نردد وراء الزعيم محمد كمال: لو لم أكن شرمياً لوددت أن أكون
شرمياً..!
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤