من سَلّ سيف
العدوان أُغمِدَ في رأسه
ولا يحيق المكْرُ السَّيّئ إلا بأهله
ليس أَسْعد للقلب، ولا أَرْوح للنّفس من الرضا بما قسَم الله من
الرزق، والقناعة بما وهب من النّعم، فالعبد المؤمن يباشر قلبَه إيمانٌ
صادق، ويقينٌ واثق بأن ما أصابه ما كان ليخطئه، وأن ما أخطأه ما كان
ليصيبه، وأن الله تعالى قدَّر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض،
وقد جفّت أقلام القضاء، وطُويت صحف القدَر.
المؤمن يَعمُر قلبَه بشكر الله على ما أسبغ عليه
وعلى إخوانه من نَعْمائه، وكلما رأى خيرًا ينساق إلى أحد من قومه خفق
قلبه بالحمد، ونطق لسانه بالثناء قائلا: اللهمّ ما أصبح بنا من نعمة أو
بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر!، وأما إذا
لاحت جائحة، أو حلّ كرب فإنه يضرَع إلى الله بأن يُفرّج عن كل مُبتلى،
ويكشف السّوء عن كل مكروب.
إن أحدنا إذا نظر في تاريخ الأمة تكاد نفسُه
تتمزّق من مشهد صورتين: صورة مشرقة لماض مجيد، تجعله يزهو فخرًا، ويكاد
بأخمصه يطأ الثريّا عزًّا، حين كان الفاتحون المسلمون ينطلقون إلى
الجهاد والفتوحات طوعًا وشوقًا، يخوضون غمرات الموت، ويتهافتون على طلب
الشهادة، ويتواردون على حياض الموت سباقًا، ويتلقّون الأَسنّة والحراب
عِناقًا!.
لا يصدّ سراياهم قِفار ولا بحار، وقد فتحوا نصف
الكرة الأرضية في نصف قرن، وبين صورة مؤلمة دامية حين قعدوا عن إكمال
فتح العالم، ما نازعهم في ذلك إلا ما دبّ فيهم من أدواء الأمم الفتّاكة
من الحسد والبغضاء، والخلاف والصراع؛ وما ذاك إلا لأنهم غيّروا ما
بأنفسهم، فساءت أخلاقهم وتغيّرت أحوالهم، وانحنت رايتهم، وكُسرت شوكتهم!.
والله تعالى لا يُبدّل سُنّته، ولا يُخلف وعده،
وهو القائل: (إنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بقَوْم حتى يُغيِّروا ما
بأنفُسِهِم) (الرعد - 11)، والقائل: (ذلك بأنَّ الله لم يكُ مُغيِّراً
نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيِّروا ما بأنفُسهِم) (الأنفال - 53).
ومن غريب ما حدث من التغيير والتبديل، أن كثيرًا
من المسلمين أُصيبوا بفساد في الطباع، وزيغ في القلوب، وخُبث في
النوايا، حتى بات بعضهم لا يُرجَى خيرُه، ولا يؤمَن شرّه!، بل هناك
داهية أعظم ونكباء أشدّ، هي أن واتِرهم صار يقوده قرينه من الجِنَّة
والناس إلى تدبير المكائد لإخوانه، ونصب المصائد لمنافسيه!.
أصبح ارتقاء المجد عندهم لا يكون إلا على سُلَّم
تحطيم الآخرين، فلا يَتمّ لهم طلب المراتب والمنازل بالبناء والإعمار،
وفقًا لسنن الحياة، بل بالهدم والخراب!، وتُزيِّن لهم أنفسُهم الأمّارة
بالسّوء أنهم لا يحققون أمانيهم، ولا يبلغون آمالهم إلا بمحاربة
المنافسين.
وذلك يتأتّى لهم بنشر معايبهم، وتعظيم صغائرهم،
وتضخيم عَثراتهم، وتحقير صالحاتهم، ونُكران فضائلهم، والافتراء عليهم
ظلمًا وعدوانًا، وكذبًا وبهتانًا، وجرّ الويلات والمصائب عليهم؛ وقد
تبلغ فنون المكر بهم أن ينقلب أحدهم لخصمه المؤمن وحشًا ضاريًا، وأفعى
"في أنيابها السُّمُّ ناقِعُ" (قاتل)!.
إن ذلك لَمِن المُهلِكات، التي عناها النبي -
صلى الله عليه وسلم- في قوله: "ثلاثٌ مُهلِكات: شحّ مُطاع، وهوى
مُتَّبَع، وإعجاب المرء بنفسه" رواه الطبراني.
إن الذي غرق مركب عمره في بحر المكر، وهام في
دنياه في بيداء الغدر، سيكون وبال فعاله عليه، فلا ينجو ولا يغادر هذه
الفانية حتى يُمْكَر به، والله تعالى يقول: (ولا يَحيقُ المَكْرُ
السَّيِّئُ إلاّ بأَهلِه) ( فاطر - 43)، ومن سَلّ سيف العدوان أُغمِدَ
في رأسه.
وإذا ستر الله على عبدٍ سوء تدبيره في السر
والخفاء، واغترّ الناس بظاهر صلاحه، ووهم تقواه، فليرتقب انكشاف
سَوْءاته، وافتضاح خفاياه في يوم الحساب، حين يُرفع لكل غادر لواءٌ
يُعرَف به يوم القيامة، كما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: "لكل
غادر لواء يوم القيامة يُرفَع له بقدر غُدرَته، يُقال: هذه غُدرة فلان،
ألا ولا غادر أعظم غُدرةً من أمير عامّة" رواه مسلم.
ألا بئست الأمجاد التي تُبنى بالعدوان على
العباد، والإفساد في البلاد، قال بعضهم: إن العدل ميزان الله الذي وضعه
للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالِفْه في ميزانه، ولا تعارِضْه في سلطانه،
واستعِن على العدل بخَلَّتين: قلّة الطمع وكثرة الورَع!.
ــــــ
نقلا عن موقع الجماعة الإسلامية في لبنان.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤