الحرب على الطلبة
في مصر
بقلم : أحمد منصور

رغم الخطأ الفادح الذي ارتكبه طلبة الأزهر المنتمين إلي جماعة
الأخوان المسلمين
منذ عدة أشهر في مصر من خلال العرض الذي قدموه وقدموا من
خلاله الذرائع للحملة الكبيرة التي يشنها النظام ضد الأخوان في
مصر حتى الأن ، إلا أن الأمر كشف عن
حجم هائل من سوء النية وسوء التقدير والفهم التصرف من قبل كثير
من قيادات الجامعات المسئولين عن التعليم في مصر وعلي رأسهم رئيس
جامعة الأزهر ، الذي تفوه بعبارات عن الطلبة لا يمكن أن تصدر من
أب أو مرب أو رئيس جامعة ، فمرحلة الشباب في حياة الإنسان هي
مرحلة الفورة والاندفاع والعنفوان والشعور بالذات ومحاولات إثبات
الوجود والتميز وأشياء أخري كثيرة ، ومن ثم فهي مرحلة الأخطاء
والهفوات أيضا ، هذه الهفوات لا تقابل بالتحطيم وتدمير المستقبل
ومجالس التأديب والفصل من قبل الذين يجلسون في مكانة المعلم
والمربي والموجه ، وإنما تقابل بالحكمة والتوجيه والإرشاد
والتسامح .
إلا إذا كان هناك جريمة لا تستحق سوي العقاب ، لأن الشباب في
النهاية هم عماد الأمة ومستقبلها ومستقبل يجب أن يحاط بكل وسائل
الرعاية ، لكن ما تتناقله الصحافة المصرية صباح كل يوم عما يحدث
علي يد رؤساء كثير من رؤساء الجامعات المصرية من عمليات فصل
وتحقيق مع المئات من الطلاب بتهمة الانتماء إلي جماعة الأخوان
المسلمين هو قمة الفشل لهؤلاء المسئولين ، والعجيب أن كثيرا من
هؤلاء درسوا فى جامعات غربية في مرحلة من مراحل تعليمهم وعلي
رأسهم رئيس جامعة الأزهر ، ومن المؤكد أنهم رأو في تلك الجامعات
التي درسوا بها أن مرحلة الجامعة هي من أهم المراحل ليس من ناحية
الطلبة فقط وإنما من ناحية الدولة والمسئولين فيها ، ومن ناحية
الأحزاب السياسية الفاعلة في المجتمعات ، فالجامعات في الدول
الناجحة هي محضن الرجال الذين يصنعون المستقبل وكثير من هذه
الجامعات بها حكومات ظل وبرلمانات من الطلبة وأنشطة مفتوحة في
كافة المجالات ، ومعظم الذين يحكمون في الغرب الآن تمت مراحل
إعدادهم الأولي في الجامعات التي درسوا بها ، كما أن طلبة مصر
كانوا دائما يلعبون أدورا هامة في صناعة التاريخ الحديث ، وقد
رووا بدمائهم في أيام الاحتلال البريطاني لمصر المسيرة التي قادت
إلي التحرر .
لكن
السلطات المصرية الحالية التي فشلت علي مدي العقود الماضية فى
صناعة تيار سياسي داخل الجامعة لم تجد وسيلة لمقاومة الطلبة
الذين ينتمون إلي تيارات سياسية أخري سوي قمعهم ومنعهم من العمل
بالسياسة ورفض ترشيحهم فى انتخابات الاتحادات الطلابية وطردهم من
الإقامة في المدن الجامعية وذلك بعدما فشلت الأحزاب الحاكمة في
جذب الطلبة إليها بسبب الفساد والمحسوبية والانتهازية وانعدام
الرؤية والمنهج لدي الطبقة الحاكمة ، ولما فشلوا غيروا مناهج
التعليم وكثفوا الامتحانات وجعلوها متوالية بشكل مرهق لا يجعل
الطالب يفكر فى أي نشاط خارج نطاق المذاكرة ثم شرعوا في تهديد
الطلاب الذين يمارسون السياسة فى الجامعات بوسائل عديدة ، لكن
هذه الوسائل الفاشلة أدت إلي نتائج خطيرة في المجتمع من أهمها ما
نشرته صحيفة أخبار اليوم الرسمية الحكومية المصرية في عددها
الصادر في 3 مارس الجاري نقلا عن ندوة " الإدمان وآثاره علي
الصحة العامة " التي عقدت في جامعة المنوفية أن 90% من طلبة
الثانوي في مصر قد جربوا الحشيش أو البانجو وأن 16% من الشباب في
مصر وقعوا في براثن الإدمان ، وأن حجم الأنفاق سنويا علي
المخدرات في مصر يصل إلي 27 مليار دولار ، هل يريد السادة مدراء
الجامعات في مصر الذي تحولوا إلي جلادين ، وبدلا من أن يتفرغوا
لتحسين المناهج وتجميل صورة الجامعات المصرية التي أصبحت سمعة
معظمها في الحضيض مع فضائح تسريب الامتحانات والغش وتدني مستوي
المناهج والتعليم بشكل عام حتى أن دولا عربية صغيرة أصبحت لا
تعترف بشهادات الدكتوراه التي تمنحها الجامعات المصيرية ، أصبح
هؤلاء المدراء متفرغين الآن لعقد مجالس التأديب والفصل و التحقيق
مع الطلبة وحولوا إدارات الجامعات إلي أفرع لأجهزة أمن الدولة ،
حيث يلاحقون الطلبة بتهم مضحكة ، إن الحرب علي الطلبة في مصر هي
حرب علي مستقبل مصر وعلي عقولها المبدعة تلك العقول التي ينبغي
أن تقود مصر إلي المستقبل ، ليكون منها العلماء والأطباء
والخبراء في كافة مجالات الحياة ، وهؤلاء الذين يحاكمون الطلبة
أثبتوا أنهم فاشلون وحمقي ، وإذا كانوا قد اختاروا الآن أن
يكونوا خدما لدي الحزب الحاكم وسياساته فالحزب الحاكم أثبت
بسياساته أنه أكبر برجاله أكبر بلاء بليت به مصر وشعبها ، كما
أنه منذ العام 1952 وحتى الآن هو حزب المنتفعين والمتملقين
والباحثين عن المنافع والانتهازية ، وأن عليهم أن يدركوا أن ما
يقومون به ليس دمارا للطلبة وإنما هو دمار لمستقبل مصر ولعقولها
التي تصنع هذا المستقبل .
|