
قبل أن نصل إلى السيناريو الأسوأ!!
الشامخ إدريس – مجلة العصر - حماسنا
---------
من
الواضح أن إمكانية ولادة توافق فلسطيني
جديد بين حركتي فتح وحماس، أصبحت شبه
مستحيلة بعد التطورات الميدانية الأخيرة، التي انتهت بسيطرة شبه مطلقة
للقوات العسكرية التابعة لحماس (كتائب القسام والقوة التنفيذية) على
مقرات الأجهزة الأمنية التابعة في معظمها لحركة فتح بقطاع غزة، بل حتى
اتفاق مكة الذي علق عليه الشعب الفلسطيني آمالا عريضة في إنهاء حالة
الفوضى والفلتان الأمني في الأراضي الفلسطينية، أضحى شيئا من الماضي،
بعد المراسيم الثلاثة التي أصدرها رئيس
السلطة الفلسطينية محمود عباس، بحل حكومة
الوحدة الوطنية، وإقالة رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وإعلان حكومة
طوارئ.
وقبل الخوض في احتمالات ما يمكن أن تؤول إليه
الأمور في الأراضي الفلسطينية بعد تطورات غزة الميدانية وقرارات محمود
عباس السابقة الذكر، لابد من التوقف حول الأسباب الجوهرية التي
أوصلت الوضع الفلسطيني إلى حالته المتدهورة، باعتبار أن فهم الأسباب قد
يساعد على استجلاء حقيقة ما يجري.
يعلم الجميع أن
حركة حماس فازت في انتخابات ديمقراطية مطلع السنة الماضية بأغلبية
مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو ما أهلها بحسب القانون الفلسطيني
إلى تشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة في تاريخ السلطة الوطنية
الفلسطينية منذ إقامتها في العام 1994م، نتيجة اتفاق أوسلو مع الكيان
الصهيوني.
- لكن ورغم تمتعها بأغلبية مريحة تؤهلها
لتشكيل حكومة بلون واحد، دعت حركة حماس باقي الفصائل والقوى السياسية
الفلسطينية للمشاركة معها في حكومة وحدة وطنية، وهو الشيء الذي لم يتم
كما نعلم بسبب الضغوطات الإقليمية والدولية التي مورست على بعض الفصائل
لمنعها من المشاركة في حكومة تقودها حماس، وبخاصة حركة فتح، التي
راهن تيار من داخلها على سقوط حكومة حماس
العاشرة في أشهر معدودات، بسبب الحصار
الدولي، الذي كانت معالمه الأولى قد بدأت تلوح في الأفق، بعد تجلي
الموقفين الأمريكي والصهيوني المعارضين لأي حكومة قد ترأسها حماس أو
تتواجد بها.
- لكن حماس وخلافا
لكل التوقعات، استطاعت الصمود إلى يومنا
هذا في وجه كل المؤامرات الداخلية والخارجية: فلا الفلتان الأمني
المتعمد، ولا الإضرابات المرسومة سلفا، ولا اعتقالات النواب والوزراء،
ولا الحصار المالي والسياسي، ولا... قد نال من عزيمة هذه الحركة على
الاستمرار في تحمل المسؤولية التي أودعها الشعب الفلسطيني إياها في
انتخابات شهد العالم كله بنزاهتها.
وخلال هذه المدة،
أبرمت حركتي فتح وحماس عدة اتفاقات
وتفاهمات أمنية وسياسية داخل فلسطين وخارجها برعاية مصرية وسورية
وسعودية، كان أبرزها الاتفاق حول وثيقة الوفاق الوطني، واتفاق
مكة الأخير، إلا
أن شيئا إيجابيا ملموسا يتعلق بتحسين الوضع الفلسطيني الداخلي، وتحقيق
الشراكة السياسية والأمنية بين الفصيلين الرئيسيين، وتمتين جبهة
المواجهة والتحدي، لم يتحقق على الأرض، وكان المثال القائل
"عادت حليمة إلى عادتها القديمة"، هو سيد
الموقف، بعد التوقيع على كل اتفاق أو
تفاهم، بحيث ما إن يعلن على التوصل إلى اتفاق تهدئة أو اتفاق سياسي حتى
يتم خرقه في اليوم الموالي، ما يوحي
بوجود طرف متربص غير معني باجتماع الفلسطينيين
على قلب رجل واحد، ربما خشية من تعرض مصالحه الشخصية وارتباطاته
المشبوهة للضرر، إذا ما إذا تفرغ الفلسطينيون لقضاياهم الرئيسية، وهي
مواجهة الاحتلال وتطهير الوطن من الأعشاب الضارة من عملاء وخونة
ومجرمين، وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي على أسس وطنية.
- نعم ثبت
بالملموس أن هناك فريقا داخل الساحة
الفلسطينية يتحدث باسم حركة فتح، لم يرق له منذ اليوم الأول وجود
حركة حماس في الحكم، شأنه في ذلك شأن الكيان الصهيوني، وأطراف عربية
وإقليمية ودولية رافضة لأي حكم في المنطقة تشتم منه رائحة الإسلام،
فكان التنسيق واضحا بين كل هؤلاء لإسقاط أي حكومة تتواجد بها حماس،
ويمكن معاينة ذلك من خلال حجم الدعم السياسي العربي والدولي الذي
يتلقاه هؤلاء أينما حلوا وارتحلوا.
-
وإلا فما معنى أن يستقبل
الرئيس المصري والرئيس الأردني، وبحفاوة بالغة، محمد دحلان وهو عضو
مجلس تشريعي عادي ولا يستقبلا إسماعيل هنية، وهو رئيس الحكومة
الفلسطينية، أي ثالث رجل في هرم السلسطة الفلسطينية بعد رئيس السلطة
ورئيس المجلس التشريعي؟! وما معنى دخول شحنات الأسلحة والأفراد
المدربين إلى القطاع في أوج الأزمة الداخلية، إن لم يكن لتقوية طرف على
حساب آخر.
إن من
واجب شرفاء فتح، التحرك وبسرعة، لإنقاذ تاريخ هذه الحركة العريقة من
السرقة، التي تتعرض لها مع سابق الإصرار والترصد من طرف عصابات أثبتت
الأحداث أنها مصنوعة من ورق، ومن واجبهم كذلك مد أيديهم لإخوانهم في
حركة حماس من أجل بناء وطنهم، وقبول الواقع الجديد الذي أفرزته الإرادة
الشعبية الفلسطينية، والدفع في اتجاه التراجع عن القرارت الخاطئة
التي اتخذها محمود عباس تحت ضغط الانقلابيين، وفتح قنوات الحوار مع
حماس على أرضية الورقة الأمنية، التي صادقت عليها حكومة الوحدة الوطنية
مؤخرا وعلى أساس اتفاق مكة.
وإلا، فإن الإصرار على مسايرة الخط الانقلابي،
سيقحم القضية الفلسطينية بكل تأكيد في أتون منعطفات جد خطيرة، لن يكون
أقلها تقسيم جديد لما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، أي استقلال غزة
عن الضفة الغربية: دويلة غزة لحماس ودويلة الضفة لفتح، وهذا أسوأ
سيناريو يمكن تصوره، وهو بالمناسبة السيناريو الذي طالما حلمت به دويلة
الاحتلال.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤