مجموعة من المواقع المتنوعة

 

 

 

 

 

 

الأستاذ : عبد الحميد الكبتى - الرواق

-------
 

أيام البدايات عادة ما تكون أياماً جميلة رائقة ، كأن الداعية يمرح فيها بين بساتين الأرض ، يأخذ أريجا عبقا من هنا ، وأزهارا من هناك ، ونسيما عذبا من هنالك ، كمثل يوسف الصغير ـ عليه السلام ـ يحوزه الجمال والتألق والفرح الشديد في حنايا صدره الطيب البريء ! ، المقبل على تلك الأجواء الربيعية العذبة بكل ما فيه .

 

يتعلم بأدب ، يحترم بتواضع ، يسمع بإنصات ، يفتش عن نفسه وسط هذا الجو الربيعي الفاتن ؛ فالحياة في ظل الفريق العامل حياة طيبة مباركة ، تجعل المرء يعيش في دائرة ، كأنها لا تنتمي إلى كل شيء من حوله ؛ لما يسودها من حب ورقي وصفاء ، وعمل لله عز وجل ، ودندنة حول الجنة وفردوسها الأعلى .

 

فإن بقي ذلك العامل هادئ الطباع والأعمال ـ لا يحاور ، لا يبدع ، لا يتفنن في الأداء ، لا يبذل كل شيء عنه ، بل لا يفكر للمؤسسة بطريقة مختلفة ! ـ بقي عاملا مقبولا ، راتعا في ذلك الربيع الأول .
 

وإن هو حاور وناقش وأبدع وتفنن وبذل وتميز وسعى وفكـّر بطرق إبداعية خارجة عن النمط المتعارف عليه ، فقد بدأ الكدر والهم والتنافس والضيق ، يسري في كيانه ، ويشرب منه كل يوم كأسا من المرارة ، حتى يمسي ذلك الربيع خريفا خانقا له ولأنفاسه العملية ، بل ربما شتاء عاصفا يجبره على المكوث في بيته ، وربما جمع صلاته وأعماله جمع تأخير ! لهذه العواصف .

 

إن هذا الكدر والهم والحسد والضيق والتنافس غير الشريف الذي يجده العامل لدين الله تعالى في المؤسسات الدعوية ، يغلف عادة بتسميات كاذبة ما أنزل الله بها من سلطان ، تارة باسم مصلحة العمل ومصلحة الدعوة ، وتارة بادعاء الفهم العميق للنفسيات ، وتارة بتقييمات فاسدة ؛ لا تقوم على أي برهان من شرع الله ولا أي برهان أخلاقي ربما ! وتارة وتارة ، و كلها مجرد أغلفة لأشياء أخرى .

 

تغليف لأمراض في النفوس ، من حسد وغيرة ، وعجز عن التميز ، وسيطرة على المؤسسة كأنها إرث لهم ورثوه عن آبائهم وأمهاتهم ، لا يقدر الحر الأبي عن التنفس والأداء فيها .
 

إخوة يوسف

إخوة يوسف عليه السلام لم يقبلوا بالتميز الخَلقي الذي منّ الله ـ عز وجل ـ به على يوسف الصغير ، ولا بمكانة يوسف من والده النبي عليه السلام ، ولا بتميزه في شخصيته ـ التي يعدها الله للرسالة ـ فقرروا التخلص منه .

 

( اقْتُلُوا يُوسُفَ اَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ )

 

هكذا قتل أو طرد وتشريد ، والدافع و العلة التي ساقها إخوة يوسف هي : إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ . حب يوسف من أبيه هو السبب الذي دفهم لذلك ، وواجهوا الحب بالقتل أو الطرد ، كي يكونوا بعد ذلك قوما صالحين ؟؟! قال الطبري أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل .

 

يقول صاحب الظلال رحمة الله عليه : ( ثُم يغلي الحقد ويدخل الشيطان , فيختل تقديرهم للوقائع , وتتضخم في حسهم أشياء صغيرة , وتهون أحداث ضخام . تهون الفعلة الشنعاء المتمثلة في إزهاق روح . روح غلام بريء لا يملك دفعا عن نفسه , وهو لهم أخ . وهم أبناء نبي - وإن لم يكونوا هم أنبياء - يهون هذا . وتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب . حتى توازي القتل أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله ) ... (هكذا ينزغ الشيطان , وهكذا يسول للنفوس عندما تغضب وتفقد زمامها , وتفقد صحة تقديرها للأشياء والأحداث . وهكذا لما غلا في صدورهم الحقد برز الشيطان ليقول لهم: اقتلوا . . والتوبة بعد ذلك تصلح ما فات ! وليست التوبة هكذا . إنما تكون التوبة من الخطيئة التي يندفع إليها المرء غافلا جاهلا غير ذاكر ; حتى إذا تذكر ندم , وجاشت نفسه بالتوبة . أما التوبة الجاهزة ! التوبة التي تعد سلفا قبل ارتكاب الجريمة لإزالة معالم الجريمة , فليست بالتوبة , إنما هي تبرير لارتكاب الجريمة يزينه الشيطان ! ) .
 

إخوة يوسف دوافعهم الحقيقية هي أمراض النفوس ، ودوافع غيرهم أيضا هي أيضا أمراض نفوس .

إخوة يوسف صرحوا بقتل يوسف ، وغيرهم يقتل غيره معنويا كل يوم ، بالتحبيط ، والتهميش ، و إذاعة السوء ، والتقليل من الإمكانيات والإنجازات ، وبحشد الأجواء غير الصحية من حوله .

 

إخوة يوسف ألقوه في الجب ، وغيرهم يرمي أخاه في غيابة العمل المؤسسي ، كي يعيش على الهامش ، ولا يزاحمه من خلال الإنجاز والإبداع وتقديم أعمال لهذه المؤسسة أو تلك .

 

إخوة يوسف قالوا سنكون من بعده قوما صالحين ! وغيرهم يدعي مصلحة العمل والحرص عليه ، أو ادعاء الخبرة في العمل من غير إنجاز ! يذكر ، أو التقوقع على فكرة الأسبقية دون أي معيار معها في الإنجاز .

 

إخوة يوسف قرروا التوبة قبل القتل ، وغيرهم يقررها في كل حين ، يقتل غيره معنويا ، ثم يصلي لله ركعتين ساجدا تائبا ، ولا عبرة للمجني عليه أبدا ، إذ العمل كله لله ؟! ، والتوبة جاهزة ؟!كما قال سيد.

 

إخوة يوسف قالوا : مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا ، في حين يقول يعقوب عليه السلام : وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ، حين تنعدم الثقة فكل شيء ينهار ، القدرة في الطاقات والقدرة على الانجاز ، والقدرة على حماية الدعوة في مسيرتها ، وأسس انهيار أي عمل خلل في الثقة .

 

إخوة يوسف قالوا : وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ بعد أن قرروا قتله ؟! ، القتل انقلب إلى نصح وحرص وحماية ورعاية من الذئاب ؟! ، وغيرهم تماما تماما يغلق نيته بغلاف النصح والحرص والمصلحة ، إلى قائمة طويلة يحفظها أولئك جيدا .


 

غيابة الجب

حين تسود هذه الأجواء ، يتحول العمل المؤسسي الدعوي إلى بئر كبير ، تحبس فيه الطاقات ، وتضمحل فيه روح الفريق ، التي هي الإحداثية الأولى في العمل .

 

(يرجع الخبير الإداري محمد عبد الجواد هذا الأمر إلى ضعف في التربية المهنية لدى هؤلاء المديرين، سببه ضعف في الإيمان، فالنفس المؤمنة لا تنظر للحياة نظرة ضيقة، ولا تضيق بنجاح الآخرين، فهي ترى في الحياة متسعا للجميع، ولا تنظر للمساحات التي يتميز بها الآخرون على أنها تقتطع من مساحات نجاحها.
 

ويكون من نتيجة ذلك آثار سلبية على الشخص نفسه، وعلى فريق العمل، فالإنسان عندما تنصرف نفسه إلى الغيرة تختفي لديه الملكات الذاتية، ويبدأ في ترك ما يملك من نقاط تميز، ويشغل ذاته باستخدام الوسائل غير المشروعة لوقف تقدم الآخرين.

 

ويفتقد أفراد الفريق التركيز في العمل؛ لأن كلا منهم يتوقع سهما يأتيه ممن حوله، فيقضي وقته في الالتفات يمينه ويساره لحماية نفسه من التهديدات التي قد تصله.
 

أما أخطر الآثار فهي ابتعاد الطاقات المبدعة إيثارا للسلامة؛ لأن أصحابها لا يستطيعون أن يعملوا إلا في جو ومناخ نقي، ويكون ذلك بالانسحاب من المؤسسة بحثا عن مكان آمن، أو بالانسحاب النفسي وهم داخلها، فتخسر المؤسسة طاقات مبدعة كان بإمكانها أن تغير لو أتيحت لها الظروف والإمكانيات وتمتعت بمساندة الإدارة العليا.
 

وفي هذا المناخ يتحول أداء العمل لمجرد أداء لمهمة، وتتثاقل خُطى المرء وهو ذاهب إلى عمله، ويسعد بالانصراف منه، ويحاول كل فرد الاحتماء بالتعليمات واللوائح حتى لا يبادر أو يبدع، وينصرف ذلك إلى الأمور التي ينبغي أن تتم بصورة تلقائية وطبيعية، ولكن الموظف يجدها وسيلة لإعاقة العمل والتفرغ للكيد لزملائه) عن مقالة للكتاب حسام عبد القادر، نشرت في إسلام أون لاين .

وكلام الخبير يصح أيضا في مؤسسات العمل الدعوي .


 

الربيع الزاهي

 

لا يوجد تجمع بشري يعمل ، إلا ووجدت فيه مثل هذه الآفات وغيرها ، سواء أكان تجمعا للدعاة إلى الله ، أو تجمعا لغير المسلمين ، أو تجمعا لأهداف نبيلة أو ضدها . لكن التجمع الدعوي الإسلامي يفترض أن يكون ملاذا وعلاجا لآفات الأمة كلها ، وأنموذجا حيا متحركا للعمل الصحيح قدر الإمكان ، فلا ينبغي أن يسكت عن هذه الأجواء ، ولا القبول بها والتسليم بحجة أن هذا أمر طبيعي ! في كل التجمعات .

 

هذا من ناحية الفكر للمشكل ، ومن ناحية أخرى فإن بروز القيادات الطاهرة النقية ، التي تملك فعلا القدرات القيادية يعد أمرا لازما و هاماً للغاية .

 

يروي الشيخ الغزالي رحمه الله أنه حين كتب أول مقالة له ، أنتقد كثيرا من كل حدب وصوب ، وأصيب بكدر في نفسه ، حتى وصلته ورقة من الإمام البنا رحمة الله مكتوب فيها : ( لقد قرأت مقالتك فهششت لها وبششت ، أكتب وروح القدس معك) . !

 

وجلس الشيخ محفوظ نحناح مع بعض الإخوة ينصحهم في العمل الإسلامي وفي اختيار الدعاة فقال : ( اهتموا بالشباب الجريء المشاغب ، فهولاء أنفع للعمل ) . !

 

وبعد وجود مثل أولئك القادة وبروزهم في العمل الإسلامي ، تأتي أهمية المعايير الصحيحة في العمل ، وفي الاختيار و فى تحمل الأعباء و المسئوليات لله عز وجل  .

 

و ما زال كبار الدعاة والعلماء ـ ومنهم القرضاوي ـ يكررون بأن الحركة الإسلامية تبعد أو تخسر رجالها يوما بيوم ؟!

 

ثم لا يزال الداعية يكرر في سجوده : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .

من غير أن يقبل بهذه الأجواء المتخلفة الخانقة ، ويسعى لتغييرها بقدر الجهد والطاقة ، فإن عجز وُألقي به في غيابة الجب ، تالياً حينها : لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . مترنما بقول الشاعر :

 

ومن لم يتعود صعود الجبال ** يعش آبد الدهر بين الحفر .
 

وهو الصاعد الهُمام ؛ يمسي منطلقا في عرصات الحياة يصنعها ، ومعه ربه هاديا ونصيرا
------------------

 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤

 

 




 

 

 

 



 


 

 

 

 
جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter