المقاومة سلماً ستغير وجه التاريخ
د. عصام العريان
 
حزب الله.. وحماس.. والإخوان المسلمون، والعدالة والتنمية بالمغرب، وتركيا والتجمع اليمني للإصلاح وغيرها من الجماعات والحركات الإسلامية تدعو إلى احترام المرجعية الإسلامية العقائدية والحضارية والثقافية والتراثية للأمة العربية والإسلامية
 
عندما ننظر إلى المنطقة العربية في الشهور الماضية، نجد أن هناك منعطفات كبيرة دخلت إليها المنطقة برمتها وشهدت ثلاثة تطورات مهمة وهي :
إعلان حماس عن مشاركتها في الانتخابات التشريعية بعد مشاركتها في الانتخابات البلدية وفوزها الساحق الذي أهَّلها أن تشارك في الانتخابات التشريعية.
المظاهرة المليونية التي دعا إليها حزب الله وشاركت فيها كافة القوى السياسية الموالية لسورية.
انعقاد المؤتمر السياسي للحملة العالمية لمقاومة العدوان في قطر.

* مقاومة الهيمنة

مشاركة حركة "حماس" وفوزها بنسبة تصل إلى 70% من مقاعد البلديات في غزة وحوالي 25% منها في الضفة الغربية، والإعلان عن مشاركتها في الانتخابات التشريعية، دفع الفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية إلى التوحد لمواجهة حركة حماس.
والسؤال: ماذا إذا فازت حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي؟
وهل يمكن تصور رئيس للسلطة على هوى أمريكا وأوروبا ويعاني من تعنت شارون مع مجلس تشريعي مقاوم للهيمنة الأمريكية ومقاتل ضد الاحتلال الصهيوني؟!!
وهل تخضع أمريكا وأوروبا وواحة الديمقراطية في المنطقة الشرق أوسطية لقواعد اللعبة الديمقراطية؟! وهل يتنازل السادة المطالبون بعدم المقاومة خارج إطار السلطة التي لها وحدها حق احتكار السلاح عن اتهاماتهم ويقبلون خيار المجلس التشريعي إذا قرر عدم الخضوع للابتزاز الصهيوني والتهديد الأمريكي والضغوط الأوروبية؟
هل يمكن للعرب هنا أن يساندوا خيار الشعب الفلسطيني بالمقاومة سلماً أو حرباً إذا قرر المجلس التشريعي مواصلة المقاومة والاحتفاظ بحق الفصائل المسلحة بحمل السلاح كورقة وحيدة في مواجهة آلة الحرب الصهيونية؟

* حديث الحسم

المظاهرة المليونية التي دعا إليها حزب الله وشاركت فيها كافة القوى السياسية الموالية لسورية وبالأحرى الرافضة للقرار الدولي 1559 الذي دبجته أمريكا وفرنسا بغرض رئيس وهو نزع سلاح المقاومة بعد إخراج سورية من لبنان عسكرياً وأمنياً وسياسياً.
هذه المظاهرة نقلت حزب الله فعلياً من خيار المقاومة المسلحة فقط ضد العدو الصهيوني إلى المزج بين المقاومة العسكرية والمقاومة السلمية.

حديث السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله كان واضحاً تماماً: شارع في مواجهة شارع.. شارع مليوني تحركه المبادئ العامة المجردة ضد شارع شارك في حشده الحزن الشديد على رحيل باني لبنان الحديث رفيق الحريري، واستثمرته قيادات سياسية ظنت أنها قادرة في تلك اللحظة على حسم كل الملفات وإعادة لبنان إلى الحظيرة الفرنسية الأمريكية ونزعه من محيطه العربي الإسلامي وذلك عن طريق إنهاء النفوذ السوري الإيراني ونزع سلاح المقاومة وليس مجرد إنهاء الوجود العسكري والاستخباراتي السوري في لبنان بتنفيذ اتفاق الطائف.

لذلك كان حديث نصر الله واضحاً حاسماً.. نحن جميعاً نطالب بتنفيذ اتفاق الطائف وكل القوى اللبنانية طالبت برحيل القوات السورية وتنقية الحياة السياسية اللبنانية من النفوذ السوري وهو ما يؤدي إلى أجواء جديدة ستنعكس بالقطع على الساحة السورية تؤدي إلى جبهة داخلية قادرة على التصدي لأمريكا والعدو الصهيوني وإدارة الملف العراقي بروح جديدة أشد مقاومة وأكثر دعماً للمقاومة العراقية الوطنية والإسلامية ذات البرنامج السياسي الواضح الرامي إلى إخراج الاحتلال سلماً أو حرباً، وبناء عراق حر مستقل عربي إسلامي ديمقراطي يتسع لكل تنويعاته.

عندئذ سيتحول محور إيران سورية إلى محور أكبر هو: إيران العراق سورية.
العجيب أن مراقبين وصحفيين كتبوا ينددون بالدور السياسي لحزب الله، كما نددوا قبل ذلك أو قللوا من دوره العسكري رغم إظهارهم الإعجاب.

إذن هؤلاء يريدون توقير حزب الله والاحتفاظ بالآلة المقدسة التي أحاطت بجهاده وجهده في تحرير الجنوب وإلحاق أول هزيمة عسكرية عربية ضد العدو الصهيوني، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن تكون آخر هزيمة صهيونية، ويساعدون على الانبطاح أمام الهيمنة والاحتلال.

لماذا يتخوف هؤلاء من الانقسام في المجتمعات العربية؟ أليس ذلك بالضبط أحد آليات الديمقراطية؟!! أليس ذلك معنى التنوع في إطار الوحدة، وحدة الهدف والمرجعية، ثم تتنوع بعد ذلك طرق الوصول إلى الهدف وبرامج الإصلاح والتغيير؟

* قواعد العمل السلمي

حزب الله.. وحماس.. والإخوان المسلمون، والعدالة والتنمية بالمغرب، وتركيا والتجمع اليمني للإصلاح وغيرها من الجماعات والحركات الإسلامية تدعو إلى احترام المرجعية الإسلامية العقائدية والحضارية والثقافية والتراثية للأمة العربية والإسلامية.
 
ويعتمدون بعد ذلك آليات العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للوصول إلى تنفيذ برامجهم، ولم يلجؤوا إلى العمل المسلح إلا في مواجهة أعداء الأمة بالأساس، وإذا حدثت أخطاء في مسيرة البعض منهم لمواجهة استبداد داخلي فهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة : قاعدة العمل السلمي.
لم يفرق هؤلاء يوماً أبداً بين مقتضيات العقيدة وبين حقوق الوطن، ولماذا يريد البعض أن يضع العقيدة في مواجهة الوطن، وقد قال البنا (رحمه الله) من قديم إن العاملين للإسلام هم أخلص الناس لأوطانهم، واعتمد الوطنية والقومية والعالمية الإنسانية ركائز للمشروع الإسلامي العريض؟

الفرز الآن واضح على الساحة السياسية العربية: هل نخضع ونستسلم للهيمنة الأمريكية وللمشروع الصهيوني أم نقاوم بكل طرق المقاومة؛ إن سلماً أو حرباً؟!

* تفعيل المقاومة

كان اللافت في "المؤتمر السياسي للحملة العالمية لمقاومة العدوان في قطر" من 22-25 فبراير الماضي؛ حضور قادة حماس، وتنويعات عريضة من كثير من البلاد العربية والإسلامية ومن منتمين إلى مدارس مذهبية وفكرية مختلفة فيما بينها إلا أنها تتفق على ضرورة مقاومة العدوان الأمريكي على الأمة الإسلامية.
وتعد نقطة بداية تضاف إلى جهود أخرى مبعثرة على الساحة العربية والعالمية ضد العولمة والإمبريالية والحرب والعدوان والظلم والاستكبار.

المتفق عليه بين المؤسسين (والكاتب منهم) هو اعتماد وسائل المقاومة السلمية وتفعيلها وإقناع الشعب العربي والأمة الإسلامية بخيار المقاومة ووسائلها من مقاطعة فعالة ومقاومة للتطبيع ودعم المقاومة في كل مكان والتنسيق بين القوى العربية وبين القوى العالمية الأخرى.

السؤال المطروح الآن : إذا كانت أمريكا قد حشدت العالم للحرب على الإرهاب الذي خلطت فيه الأوراق بين الحق المشروع في المقاومة وتحرير البلاد من الاحتلال العسكري؛ وبين العنف العبثي غير المشروع الذي يطال الأبرياء وتقف خلفه أجهزة مجهولة حتى الآن، وسارعت إلى اتهام دين محدد هو الإسلام وثقافة بعينها هي العربية. فهل تقبل أمريكا بخيار المقاومة سلماً فتستمر في ضغطها من أجل الإصلاح الحقيقي والجاد فتخضع النظم المدعومة أمريكياً والمرضي عنها صهيونياً للإصلاح فتصبح فصائل المقاومة سلماً جزءاً من المنظومة السياسية وقد تكون في سدة الحكم فتتفاوض من موقع التعبير عن الإرادة الشعبية وهي تمتلك أوراق ضغط جديدة مع أمريكا وأوروبا لحل القضايا المعلقة من زمن الاحتلال إلى الاستقلال الوهمي.

هذا ما قد تفتح آفاقه المقاومة سلماً.. فما بالكم إذا امتلك المقاومون سلماً أزمَّة الأمر وأصبحوا يعبرون عن إرادة شعبية تدعمها جيوش حقيقية لحماية تلك الإرادة وليس لحماية العروش المهتزة؟
 






 

 

 

 

 

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter