
طبعة اسلامية من الديمقراطية
بدلاً من الوهم الأميركي
بقلم: د. عصام العريان
تعيش الأمة العربية اليوم هاجس الاستقلال من جديد، كما أنها تعيش أمل
الديمقراطية، وفي خلفية المشهد كله تقف الولايات المتحدة الأميركية فهي
التي ورثت مستعمرات الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وهي التي
جاءت بقضها وقضيضها، بعتادها وجنودها، بجيوشها ورجال أعمالها لتحتل
قطرا عربيا غاليا على كل العرب، بل وعلى كل المسلمين، العراق فخر
الحضارة الاسلامية، ولتصنع منه كما تزعم وتدعي نموذجا ديمقراطيا.
وأميركا أيضا هي صاحبة المبادرة الشهيرة «الشراكة من أجل الديمقراطية»
التي أطلقها السيد كولن باول وزير الخارجية قبل الحرب على العراق
واحتلال أراضيه، وهي التي جعلت ضمن أهداف حملتها الاستعمارية الحالية:
تعزيز الديمقراطية في المنطقة العربية، وهي التي جعلت ـ على لسان وزير
دفاعها المتعجرف رامسفيلد ـ الهدف الوحيد الآن إعادة تغيير وتشكيل
المنطقة.
عاد العرب إذن من جديد ليكتشفوا أنهم لم يحققوا ـ في الحقيقة ـ هدفا
خالصا تماما طوال القرن الماضي الذي شهد نهضتهم الكبرى، بدءا بثورتهم
العربية الكبرى ومرورا بإقامة نظامهم الاقليمي متمثلا بالجامعة
العربية..
ويا للمفارقة فكلاهما كان برعاية بريطانية خالصة، إنتهاء «بالنضال من
أجل قضيتهم المركزية الأولى وهي تحرير فلسطين لمدة تزيد على نصف القرن
الماضي، اكتشف العرب أنهم لم يعيشوا إلا وهم الاستقلال، وعانوا فساد
الحكم واستبداده كما أنهم تراجعوا على الدوام في الشأن الفلسطيني الذي
أصبح على أيديهم الآن وبرعاية أميركية شأنا أمنيا خالصا، لا أمل فيه
إلا في تحقيق الأمن للكيان الصهيوني برعاية فلسطينية، وتحقيق التفوق
الاقتصادي لهذا الكيان على حساب الأمة العربية في منتدى شرق أوسطي
برعاية أميركية ـ أوروبية، كل ذلك في مقابل تحسين أحوال الفلسطينيين
تحت الاحتلال، ومنع الاجتياحات وتقليص الاغتيالات.. الخ.. إذن أهدافنا
تحقق بعضها ولكن مشوب بالحسرة والكمد..
ـ هل معنى ذلك أننا ـ كعرب ـ لم نحقق شيئا؟ !
أعتقد أن القول بذلك هو اعتساف للحقيقة، وتجني على الواقع.
لقد حاولنا وجاهدنا وحققنا بعض ما نصبو اليه، ولكن مسيرتنا تعرقلت وتمت
اعاقتها.
والدليل على أننا حققنا بعض ما نريد:
أولا: عودة الاحتلال السافر من جديد، فهو لا يعود إلا إذا شعر بأن
مصالحه مهددة وأن وكلاءه أو حراس مصالحه باتوا مهددين.
ثانيا: إن مصير الكيان الصهيوني أصبح مهددا بفعل انتفاضة الأقصى
الباسلة، التي كبدته في ألف يوم (لاحظ أن شارون تعهد بالقضاء عليها في
مئة يوم) أكثر مما كبدته الجيوش العربية مجتمعة في حروبها الخمسة، وأن
العمليات الفلسطينية أصابته في العمق وأصبح مستقبل الدولة الصهيونية
على المحك: اقتصاديا وديموجرافيا وسياسيا، مما دعا بوش الى التعهد
ببقاء الدولة الصهيونية يهودية بكل ما يعنيه ذلك من دلالات.
ويضاف الى ذلك الشعور الشعبي الجارف الآن في الأمة العربية بأنه لابد
من وقفة للمراجعة الأمينة لمسيرة العرب الثورية والاشتراكية والوحدوية
والقومية خلال نصف القرن الماضي حيث يشعر الجميع أن هناك من خدعهم طوال
هذه المدة.
يأتي على رأس هؤلاء المخادعين الثوار المتحمسون، الذين قد يكونوا قد
تحلوا بالاخلاص إلا أنهم قطعوا الطريق على نهضة حقيقية تبنيها الشعوب
بسواعدها، وأمموا التفكير والابداع وحولوا الجماهير الى قطعان من
الشغيلة وفقط.
وينضم الى الحكام طائفة المثقفين الذين برروا مصادرة حقوق الأمة وحذروا
الناس طوال فترات الحكم الثوري، واستوردوا نظريات من الشرق والغرب لصرف
الناس عن هويتهم الحقيقية، لاشك أن من بينهم مخلصون، لكنهم كانوا قلة
وللأسف سايروا وساروا مع التيار العريض، وبعضهم اليوم يروج للوهم
الأميركي. ومعهم وللأسف الشديد علماء ومفكرون من كافة الاتجاهات، في
الدين والجامعات وفي مجالات التصنيع والتجارة، صمتوا عن الحق أو ساهموا
في تغييب الوعي فكانت النتيجة هو ما نعيشه من حال التخلف في التنمية
الانسانية والبشرية التي جعلت الأمة العربية في تلك الحال التي ترصدها
تقارير التنمية بأيدي عربية في برنامج الانماء التابع للأمم المتحدة
(صدر العام الماضي 2002) أو في آخر التقارير التي صدرت عن التنمية في
العالم (2003) وكلها للأسف ترصد مشاكل الأمة العربية وتؤكد على أمور
ثلاثة هي: - افتقاد الأمة العربية الى الحكم الصالح أو بالمفهوم
الغربي: الديمقراطية.
- تراجع وضع المرأة العربية في ظل تدهور المجتمعات.
- حال التخلف العلمي والتقني وانتشار الأمية: أمية القراءة والكتابة
فضلا عن أمية الكمبيوتر والشب.
ويواكب ذلك كله فساد اقتصادي رهيب أدى الى تفسخ اجتماعي صعب يظهر في
معدلات التنمية السالبة ومعها زيادة سكانية متصاعدة، وديون داخلية
وخارجية باهظة يواكبها نزيف الثروات العربية والعقول الى الخارج، وتدني
معدلات الاستثمار والتجارة البينية بين البلاد العربية.
والآن أصبحت الأمة العربية، ومعها الاسلامية، متهمة بإثارة القلاقل في
العالم كله لهذه الأسباب السابقة، ولغيرها مما هو في نفس يعقوب وتظهره
فلتات اللسان بين حين وآخر.
الأمة مهددة ومتهمة بسبب عقيدتها وثقافتها التي تحيي «روح الاستشهاد»
وهي الروح التي بعثت الحياة من جديد في القضايا التي ماتت ومنها القضية
الفلسطينية، ولا ينسى الغرب وبالذات أميركا أن هذه الروح هي التي جعلت
19 شابا (إن صحت نسبتهم العربية والاسلامية) يبثون الرعب في قلب أميركا
ويهزونها من الأعماق.
حل سحري
الأمة متهمة بأن الاستبداد والديكتاتورية التي حكمتها لنصف قرن أو يزيد
والفساد جعلت معدلات الهجرة الى أوروبا تتزايد، وقوارب المتسللين ـ رغم
المخاطر ـ لا تنقطع، وأصبحت هناك أحياء عشوائية على هوامش المدن الكبرى
في إيطاليا وفرنسا وغيرها تبعث القلق في قادة الاتحاد الأوروبي حول
مستقبل هذا الاتحاد الوليد.
وهكذا أصبحت «الديمقراطية» هي الحل السحري لكل المشكلات، وهي المعجزة
التي ينتظرها الجميع، وهي السبيل الوحيد للخروج من المأزق الراهن..
هذه الديمقراطية التي تجاهد من أجل ترسيخها كل التيارات السياسية دون
استثناء في العالم العربي، إسلامية وقومية ويسارية وليبرالية. والتي
تعارض كافة نظم الحكم الراسخة في بلادنا تطويرها وتنميتها ولو بالتدريج
أو التقسيط المريح لأنها في جوهرها تعني التداول السلمي على السلطة،
ولذلك ترفضها كافة النظم: ملكية لا تريد أن تتحول الى ملكية دستورية
يمارس الحكم فيها وزارات برلمانية، وجمهورية ثورية تريد أن تتحول اليوم
الى جمهورية ملكية يتم توريث الحكم فيها لسلالة لا تجري في عروقها
الدماء الزرقاء، ولا نظم عسكرية متجملة باللباس المدني.
وهنا
يأتي التدخل الأميركي لفرض الديمقراطية بالعصا الغليظة
وعبر اجراءات محددة وبالترغيب حينا وبالترهيب أحيانا.
والسؤال المحدد الملح: هل يمكننا أن نثق بوعود أميركا؟
والسؤال الأكثر إلحاحا: ما هي مصالح أميركا التي تريد حمايتها بفرض
الديمقراطية؟
وسؤال آخر افتراضي: إذا نجحت أميركا في تغيير المنطقة وفرض
الديمقراطية، فما هي ملامح تلك الديمقراطية الأميركية؟
وسؤال آخر
بديل: إذا كنا نرفض فرض الديمقراطية الأميركية لأننا لا نثق بوعود
أميركا التي فاقت مواعيد عرقوب، ولأننا نشك في نوايا أميركا ونعرف أنها
تريد حماية مصالحها لا مصالحنا وهي غالبا متعارضة (المصالح) ولأن ملامح
تلك الديمقراطية الأميركية واضحة تبدو من فلتات اللسان، فما هو البديل
المتاح لنا؟ وهل نتخلى عن حلمنا بالديمقراطية أو الحكم الصالح؟!
أعتقد أن نقطة البداية السليمة هي تشخيص أمراضنا بدقة، ومعها تاريخ
المرض ومعرفة الأسباب والمؤثرات حتى نضع العلاج الصحيح.
الظواهر كما سبق لا تخفى على أحد، وتاريخ المرض بما فيها من نوبات صحو
وانتكاسات شديدة واضحة للعيان، قد نختلف على الأسباب والمؤثرات.
في تقديري أهم الاسباب هي:
1- فقدان الهوية الحضارية
مما أدى الى فصام نكد بين العروبة والاسلام، العروبة وعاء تملأه رسالة
الاسلام، وإذا كان العرب أمة واحدة فإن التاريخ لم يعرف لهم رسالة إلا
حمل لواء الاسلام الى العالمين، وإذا كان هذا رصيدنا الحضاري فلماذا
نستورد ما ترفضه الأمة من أفكار!
2- يلي ذلك في الأسباب:
التجزئة والتفتيت الذي قد يصل اليوم ـ على الأيادي الأميركية الى
التشرذم ـ والمثال واضح في العراق، وتجارب الوحدة الفاشلة مريرة ولم
تؤد إلا الى مزيد من الاصرار على تجاوز الواقع الأليم لأن كل عربي يحلم
أنه لا مستقبل للعرب في عالم لا يحترم سوى الكيانات الكبيرة إلا
بالوحدة وهذه الوحدة تبدأ وطنية وتستمر عربية حتى تنتهي اسلامية، وحدة
تحققها العقيدة وتبعثها المصالح المشتركة، وحدة تبني بإرادة الشعوب
الحرة وليس تفرضها مصالح الطبقات الحاكمة أو أوهام الزعامة الضالة.
3- كما أن الظواهر الثلاث المدمرة
تصلح أيضا أسبابا لما نحن فيه، أعني بها: الاستبداد ـ الفساد ـ التخلف،
وهي متشابكة يغذي بعضها بعضا ويؤدي كل منها الى البقية، فالاستبداد هو
الذي يثمر الفساد وينتج التخلف ويفرخ العنف والتطرف.
من أجل علاج الأسباب الكامنة والظواهر المرضية السابقة وتداعياتها
الخطيرة تمثل الحرية بالنسبة الى الأمة العربية الباب الى الأمل
الفسيح، وضمن اجراءات الحرية تأتي الديمقراطية كوسيلة للمشاركة في
القرار وتحمل جزء من مسئولية الحكم وآلية لتداول السلطة بشكل سلمي، من
أجل بناء برلمان حر نزيه يمارس سلطات الرقابة والتشريع وإدارة نقاش
مسئول عن كل الأوضاع ومحاسبة الحكومات وتنفيذ الدستور والقانون وإعلاء
إرادة الأمة فوق إرادة الحكومة وإرضاء الحاجات الشعبية بديلا عن إرضاء
الحاكم الفرد.
هذه الديمقراطية في طبعتها العربية الاسلامية ستكون لها نكهة خاصة
يمكننا بها الاقتراب من الشورى الاسلامية التي أمر الله بها بحيث تتحول
الى خلق وثقافة قبل أن تكون وسائل وأدوات، تحميها وتحرسها نصوص الشريعة
التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها بدلا من أن تلعب بها
أهواء الحكام ورغبات النخب المثقفة، بحيث تتحول الى ممارسة حقيقية
وراشدة في البيت والمدرسة، في الديوان والمصنع، في المعهد والجامعة..
في كل مكان فتسود قيم التسامح وحرية الرأي وقبول المخالف والسعي الى
الصلاح وتحترم التعددية التي هي من سنن الله في الاجتماع البشري بل في
الخلق والتكوين.
تريد أميركا إذن أن تفرض علينا ديمقراطيتها هي لا ما نرغب نحن فيه، ومع
ذلك فلن تجد أكثر من 10% إذا أجرينا استفتاء حرا يثقون بوعود أميركا،
لسبب بسيط هو: أنها كانت ومازالت تؤيد كل النظم الديكتاتورية في
العالم، ولسبب آخر يعترفون به الآن: أنها قد تكون نجحت في إزالة خطر
نظم تهددها ولكنها وبجدارة شديدة فشلت في بناء أي نظام ديمقراطي كبديل
فضلا عن تحقيق الاستقرار في أي بلد احتلته. وتشهد على ذلك افتتاحيات
مجلة «النيوزويك» الأخيرة.
وكما يقول الاستاذ هيكل: إن الامبراطوريات الكبرى ليست جمعيات خيرية
توزع الهبات والمنح والعطايا، وكما هو معلوم فإن أميركا تنفق الآن
يوميا في العراق ملايين أو مليارات الدولارات (هناك حوالي 200 ألف جندي
ومدني أميركي مرشحون للزيادة) فكيف يستقيم إرساء ديمقراطية مع الحاجة
الى استرداد تلك النفقات فضلا عن عائد استثمارها كما هي الثقافة
الأميركية، إذن نحن أمام عملية نهب منظم ومقنن ويراد إقناعنا به.
وملامح الديمقراطية الأميركية تتجلى في نموذجها «العراقي» المحتمل،
فضلا عن النموذج الدائم في دولة الكيان الصهيوني، هي ديمقراطية
«الاقصاء والابعاد»! فهي عنصرية بامتياز في فلسطين المحتلة 1948،
ونازية بامتياز في الأرض المحتلة عام 1967 وباعتراف بوش الأخير بيهودية
الدولة العنصرية يكون ذلك إقرارا بشكل واحة الديمقراطية في المنطقة
العربية كما يروج الصهاينة.
وهي في العراق تستبعد القوى المعارضة عسكريا للاحتلال الأميركي، وسوف
تستبعد قريبا جدا القوى المعارضة سلميا لهذا الاحتلال. لذلك هي تريد أن
تبدأ بتغيير البيئة الثقافية وأن تغير المناهج التعليمية، وأن تجدد
الخطاب الديني وأن تراقب خطب الجمعة في المساجد وأن تعيد تشكيل العقيدة
الاسلامية من جديد، لأي هدف؟ يقال لنا.. يهدف قبول الآخر، أي آخر؟
الآخر الصهيوني كأمر يستمد وجوده من الحق التاريخي التلمودي والتوراتي
وليس كما يرضى العرب الرسميون اليوم: كأمر واقع لابد من التعايش معه،
والآخر الأميركي العسكري، كاحتلال جديد يتذرع بحماية الحقوق الانسان أو
القضاء على الارهاب أو إرساء الديمقراطيات.
ديمقراطية تطبيق مبدأ «بوش»: إما معنا أو ضدنا.
فمن كان معهم فليتمتع بالفتات من خيرات البلاد، ومن كان ضدهم فالإقصاء
والإبعاد ثم النفي والتشريد ثم المعتقلات مثل «غوانتانامو» ومحاكمات
عسكرية أو اغتيالات يومية مثلما يحدث في فلسطين برعاية أميركية.
إننا كما لا نثق بالوعود الأميركية، فإن رفضنا للملامح الواضحة
للديمقراطية الأميركية أشد وأقوى.
فما هو البديل أمامنا؟
البديل أن نجاهد
على كل الجبهات لإحداث اختراق ما يعين الأمة العربية على الخروج من
المأزق الراهن.
البديل أن تتقارب القوى
الحية في الأمة العربية والاسلامية من كل التيارات وأن تتفاهم على
برنامج عملي يقترب من تحقيق حلم هذه الأمة في الاستقلال والحرية وفي
الحكم الصالح القائم على الشورى والديمقراطية، وفي التنمية الانسانية
الشاملة التي تخرجها من حال التخلف والفساد وتقطع الطريق على العنف
الأعمى والتطرف والغلو.
البديل أن نرفع شعار «الاصلاح الشامل»
الذي تتضافر عليه قوى الأمة جميعا والذي يشارك في صنعه ـ من أجل
المستقبل ـ كل المواطنين على قدم المساواة، سواء مثقفين وعامة، عسكريين
ومدنيين، مسلمين وغير مسلمين عربا وغير عرب.
البديل أن نصر على أن الحريات العامة
يجب أن تنتزع لصالح الشعوب وأن
الانتخابات الحرة النزيهة لم تعد ترفا يمكن تأجيله، وأن علاج عيوب
الانتخابات يكون بمزيد من الشفافية والصلاحيات الحقيقية للبرلمانات حتى
تستطيع الشعوب مراقبة هذه البرلمانات فتقدر على تغيير الوجوه وتنكشف
صلاحية البرامج بدلا من تعليق الفشل ـ فقط ـ في رقبة الحكومات، فتختفي
الوجوه التي احتكرت الساحة لعشرات السنين ولعبت على كل الحبال، وينتهي
زمن «رجال لكل العصور».
قد تساهم الضغوط الأميركية اليوم في إحداث الاختراق المطلوب في بعض
الجبهات، خاصة على جبهة الحريات العامة ونظافة الحكم.
وستتعارض هذه الضغوط مع الاصلاح الشامل الذي نريده خاصة على جبهة
الهوية الحضارية والثقافية لهذه الأمة، وعلى جبهة الصراع ضد الكيان
الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، وعلى جبهة حماية الاستقلال الوطني
وتحقيق الأمن القومي وعلى جبهة الوحدة العربية والاسلامية، فضلا عن
جبهة حماية ثروات الأمة ومنع النهب المنظم لها.
نقطة البداية لنا الآن في اعتقادي بجانب دعم الانتفاضة في فلسطين هي
دعم الشعب العراقي ومساندته ليتخذ قراراته بحرية من أجل تحقيق استقلال
ووحدة التراب العراقي، من أجل حماية الثروات العراقية، والوقوف ضد مسخ
الهوية العربية والاسلامية في العراق، من أجل الجهاد ضد الاختراقات
المحتملة للصهيونية من بوابة التطبيع مع العدو الصهيوني.
إن المقاومة في العراق ليست قتالا ضد المحتل فقط، وهو حق مشروع كفلته
الشرائع السماوية والمواثيق الدولية والقوانين الوضعية، بل إن المقاومة
اليوم في العراق هي أيضا على كل الجبهات: الثقافية والحضارية، والشعب
العراقي لا يحتاج الى التهييج والاثارة، فهو مستثار بوجود الاحتلال، بل
في حاجة ماسة الى الوعي الشديد بأبعاد الخطط الأميركية، وأن ما يراد
بالعراق ليس قاصرا عليه، بل هو نموذج كما يردد الأميركيون، فإذا نجح
النموذج.. فإن نجاحه يجعله قابلا للتكرار، ومقياس النجاح يختلف من وجهة
النظر العربية تماما عن وجهة النظر الأميركية والصهيونية.. إننا في
حاجة الى حوار جاد مع الأميركيين، وهذا الحوار بدأ الآن في العراق،
والعراقيون.. من كل التيارات يمارسونه بحكم الضرورة وفي غيبة نظام حكم
يحتكر الحوار ويدعي أنه يمثل مصالح الأمة.
وهذه التيارات السياسية في العراق هي صورة مصغرة للتيارات السياسية
والفكرية في البلاد العربية، وبقدر نجاحها في إدارة الصراع والحوار مع
الاحتلال الأميركي السافر، وبقدر نجاحها في التصدي للمخططات التي يجب
عليها أن تدرك أبعادها ـ خارج حدود العراق، فإن نجاحنا نحن يصبح سهل
المنال، وقريب من التحقيق.
على
القوى الحية في الأمة أن تتناسى ولو الى حين خلافاتها الفكرية
وأن تتقارب لمواجهة الخطر الذي يهددنا جميعا.
إن الغزو الحقيقي اليوم هو كما قال بوش بحق: إما.. وإما، ونحن نريد أن
نقول لأميركا: لا.. وأن نختار طريقنا في مقاومة الضغوط الأميركية،
ومواجهة المصالح الصهيونية، وبناء جبهة عريضة لتحقيق مصالح الأمة
الحقيقية، التي لا يمكن ولن يكون أبدا ـ أن تتطابق مع المصالح
الصهيونية.
إن ورطة أميركا في العراق تتزايد يوما بعد يوم، وهزيمة المشروع
الأميركي يمكن أن تكون قريبة، والشعب العراقي هو الذي يدفع الثمن،
والحلول المطروحة أميركيا تعني توريط الحلفاء والأصدقاء لتحمل مسئولية
الفشل مشتركين وعلى مجلس الحكم الجديد في العراق أن يضع نصب عينيه أن
يسعى أولا، جنبا الى جنب مع اعادة الاعمار وتحقيق الاستقرار الى إجلاء
الاحتلال وتحقيق الاستقلال