أحبتي الكرام أكتبُ إليكم بعد أن قضيتُ معكم أفضل الأوقات في الحب والترابط والتعاون، وحُسن الصلة بالله، سائلاً المولى- عزَّ وجل- أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل هذه الأوقات في ميزان حسناتكم يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أحبتي.. يعلم الله مدى شوقي لرؤياكم الطيبة العزيزة على نفسي، ولكن حسبي أنَّ القلوب تتواصل، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وأرجو من الله- العلي القدير- أن يرفع هذا الظلم البيّن الواقع عليكم، وعلى كل الشرفاء من أبناء هذا الوطن العزيز. وأنتم تعلمون أنَّ طريق الدعوات لا بد فيه من الابتلاءات والمحن، وبفضل الله- تبارك وتعالى- ثم بفضل ترابطكم وأخوتكم تكون منحة- إن شاء الله- كما قال ابن عطاء الله السكندري: "ربما كمنت المنن في المحن والمحن في المنن". فالغاية النبيلة التي نسعى إليها جميعًا، وهي التمكينُ لشرع الله في الأرض حتى يسود العدل وتعم الحرية، تتطلب منها كثيرًا من التضحيات والعمل المتواصل، فإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل، أو نرضى بالهوان، أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، ولا يغيب عنَّا ما عاناه الصحب الكرام- رضوان الله عليهم- في سبيل نشر الخير في ربوع الأرض حتى وصل إلينا ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..﴾ (آل عمران: الآيتان 139 و140). أحبتي في الله.. إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمانُ بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسةُ لها، ووُجِد الاستعدادُ الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها. أحبتي الكرام أريد أن أؤكد على معنيين مهمين فيما أنتم فيه: الأول: توثيق عُرى الأخوة والترابط: حتى يرتفع صرح الحب الشامخ بيننا، وتسمو النفوس وتعلو فتظل حائمة حول العرش لا يدنسها أوحال الأرض، هذه الأخوة التي ترتبط فيها القلوب والأرواح برباط العقيدة، والأخ الصادق- أحبتي- يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره. وكان أحد الصالحين يقول: "لقاء إخواني أحب إليَّ من لقاء أهلي، فأهلي يُذكرونني بالدنيا وإخواني يُذكرونني بالآخرة". الثاني: التواصي بالحق والصبر:
ولـرب نازلة يضيق بـها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرج
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران).