بالنسبة للسؤال الأول، استهداف المعتدلين،
يقوم نظام مبارك على عدة دعائم، منها الدولة البوليسية ـ المخابراتية
والنهب والفساد في الداخل، واختلاف الفزاعات المحلية لتخويف الحلفاء في
الخارج. من ذلك الإيحاء لأصدقاء نظام مبارك في الغرب (أوربا والولايات
المتحدة) بشيئين، أولهما أن مبارك هو الوحيد
القادر على حفظ الاستقرار والاعتدال في مصر والعالم العربي،
وإنه إذا سمح بانتخابات حرة ونزيهة، فإن المتطرفين سيأتون إلى السلطة،
وسيحولون مصر إلى "جزائر أخرى"، أو إلى شئ مثل "أفغانستان
ـ طالبان"، أو "خوميني ـ إيران". ومن هنا حرص نظام مبارك على
تدمير أي بدائل معتدلة ـ سواء كانت إسلامية ـ دينية، أو ليبرالية ـ
مدنية. وثانيهما أنه الوحيد القادر على رعاية عملية السلام مع إسرائيل،
والوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وبالتالي، عمل مبارك جاهداً على تدمير أو تشويه أي بديل أو بدائل
معتدلة له في مصر، حتى لا يظهر في الساحة إلا المتشددين دينياً،
والمتشنجين وطنياً، أو المتطرفين قومياً. من ذلك أن نظام مبارك أصبح في
حاجة دائمة إلى المتطرفين، والمتشنجين، والمتشددين، وذلك حتى يبرر
وجوده، ويختلق شرعيته. فإذا لم يكونوا موجودين بالفعل،
فإن أجهزته البوليسية لا بد أن تختلقهم أو توحي
بوجودهم، حتى من العدم، وتنفخ في صورتهم وتبالغ في قوتهم
ومخاطرهم وخططهم للاستيلاء على السلطة وتقويض دعائم المجتمع، وتخريب
الوحدة الوطنية، وما إلى ذلك من الاتهامات الجاهزة أو السابقة التصنيع.
ولدى نظام مبارك من وسائل الإعلام المملوك
للدولة، سابقاً، والذي أصبح تحت سيطرته الكاملة لاحقاً، ما
يمكنه من تحويل الأوهام والأكاذيب إلى ما يشبه الحقائق. ولديه منظومة
موازية من أجهزة، يوصف كل منها "بأمن الدولة" لكي تسبغ من الإيحاءات
بالجدية ما تُخدع به الرأي العام. فهناك جهاز "مباحث
أمن الدولة"، الذي يقوم بما يسمى "التحريات"، والتي تبدأ عادة
بالعبارة المتكررة "نمى إلى علمنا..."، يتلوها ما يتفتق عنه ذهن الضابط
المسئول من حكايات ملفقة، وأدلة وهمية أو مزروعة. وهذا الجهاز وزبانيه
هو الذي يقوم بالمداهمة والترويع والقبض على الضحايا، وخاصة في ساعات
الليل، ودرج الفولكلور السياسي المصري على تسميته "بزوار الفجر".
وأحياناً يحجز الجهاز هؤلاء الضحايا لعدة أيام في زنزانات خاصة بمقره
الأصلي في حي لاظوغلي وسط القاهرة، للتعذيب والتوقيع على ما يرغب
الجهاز فيه من "اعترافات"، معظمها "مفبركة"!
يلي ذلك الجهاز التوأم الذي يطلقون عليه "نيابة
أمن الدولة"، وهو الذي يقوم بالتحقيق مع "المتهمين"، الذين
يوردهم جهاز "مباحث أمن الدولة". ويعمل الجهازان في تناغم منقطع النظير،
رغم أن الأول ضباط شرطة بوليسيون، والثاني يتكون من وكلاء نيابة مدنيون،
شبه ـ قضائيون. ولكن واقع الحال أنهما وجهان لنفس "العملة"، مع محاولة
ادعاء الاستقلال عن بعضهما البعض. وتحاول نيابة أمن الدولة تضييق
الخناق على المتهم حتى يُقر بما جاء في تحريات مباحث أمن الدولة. وهي
التي تأمر "بحبس المتهم على ذمة التحقيق". وهي التي تجدد هذا الحبس،
إلى أن يأمر من يحرك الجهازان بالإفراج أو إحالة القضية إلى المحاكمة،
أمام "محكمة أمن الدولة".
أما الحركة الأخيرة في نفس الاسطوانة
المشروخة في كل قضايا الرأي والضمير ـ أي القضايا السياسية ـ فهي
الإحالة إلى تلك المحكمة التي أصبح سرد سمعها مصدراً لحرج نظام مبارك
أمام العالم، فأعلن إلغائها، ولكنه أبقى على نفس دوائرها ونفس قضاتها،
ومنهم الدائرة التي حاكمت وأدانت كاتب هذه السطور، إلى أن ألغت محكمة
النقض حكمها الجائر (سبع سنوات مع الأشغال الشاقة) ووجُهت لها وللنظام
كله انتقادات حادة. ورغم ذلك فقد أحيلت قضية د. أيمن نور للمحاكمة أمام
نفس الدائرة، بنفس رئيسها ونفس زميلاه!
دائماً ما يؤكد نظام مبارك أن كل قضايا الرأي والضمير ليست "قضايا
سياسية"، ولكنها "قضايا جنائية بحتة". هكذا ادعت في قضية مركز ابن
خلدون، وفي قضية أيمن نور، وفي قضية عصام العريان. ولكن واقع الأمر أن
هذه القضايا جميعاً سياسية "انتقامية"، تأمر بها وتحركها وتدير
تفاصيلها أعلى مؤسسة سيادية في البلاد. ولكل منها ملابساتها وأسبابها
في بطن هذه المؤسسة!
فلماذا
د. عصام العريان تحديدا ً؟
لقد عرفت عصام العريان على امتداد الربع قرن الماضي وقد تزامنت عودتي
من الخارج بعد الدكتوراه (1975) مع سنوات نشاطه الطلابي في كلية الطب.
ومع اهتماماتي البحثية بالحركة الإسلامية، كان طبيعياً أن ألقاه، حيث
كان هو أحد رموزها البازغة وفي أهم فصائلها الشبابية النشطة، وهي جماعة
الإخوان المسلمين. وكانت الجماعة قد أعلنت إقلاعها عن العنف بعد صفقة
غير معلنة مع الرئيس الراحل أنور السادات عام 1972.
ولكن قليلون هم الذين صدقوا هذا الإعلان في ذلك الوقت، وربما إلى الآن.
ولكني كباحث، كنت دائماً مستعد للاستماع إلى وجهة نظر الإخوان، مع
مراقبة سلوكهم الفعلي في الحياة العامة المصرية. وقد فعلت نفس الشئ مع
فصائل الحركة الإسلامية ممن انقسموا، وخرجوا من الإخوان ـ مثل فصائل
الجهاد، والجماعة الإسلامية، والتكفير والهجرة. وفي كل هذه المجهودات
البحثية كان عصام العريان نداً ومحاوراً من الطراز الأول. ورغم أنني
أكبره بحوالي خمسة عشر عاماً، وأختلف معه أيدولوجياً، وفي معظم قضايا
الساعة، إلا أن احتراماً متبادلاً، وألفة إنسانية دافئة نميت بيننا على
مر السنين. ثم تزاملنا في العمل النقابي ـ أنا كنقيب للاجتماعيين، وهو
كأمين لنقابة الأطباء. وتصادف أن مقاري النقابتين كانا عبر شارع القصر
العيني في تلك السنوات (1986-1996).
وكثيراً ما قبلت دعواته للحديث في نقابة الأطباء. وكثيراً ما قبل
دعواتي للحديث في نقابة الاجتماعيين، أو الجامعة الأمريكية، أو مركز
ابن خلدون للدراسات الإنمائية. وتلازمنا في سجون مبارك حيث تزامنت
بداية سجني (2000-2002) مع نهاية عقوبة سجنه (2001). وكان المسئول عنه
من مباحث أمن الدولة في مزرعة طره، هو نفسه المسئول عني. وكثيراً ما
تبادلنا حكايات وطرائف وآلام السجن، في لقاءاتنا بعد الخروج من ذلك
السجن.
وفي السنتين الأخيرتين جمعني بعصام العريان
مؤتمران هامان. الأول في أبريل 2001، بعد حوالي شهر من تبرئة
محكمة النقض لي ولزملائي السبعة وعشرون خلدونياً من كل التهم التي
لفقتها ومثلتها منظومة أمن الدولة ـ المباحث، النيابة، والمحكمة. وكان
ذلك المؤتمر استكمالاً لحواري في السجن مع الفصائل الإسلامية، التي
تعجبت في حينه للاهتمام العالمي بقضية ابن خلدون، بينما تجاهلت
الإسلاميين. وكان اجتهادي في الإجابة على تعجبهم، أنهم لا يتحدثون إلى
العالم الخارجي باللغة أو على أرضية القيم التي يفهمها. والقلة منهم
التي تعاملت مع العالم الخارجي كشفت عن وجه بشع ينطوي على الكراهية
والتعصب والعنف. ولما جادلوا لإقناعي بغير ذلك قلت لهم، المهم أن يقتنع
الآخرون في العالم الخارجي الذي تريدون منه أن يهتم بكم وبما تتعرضون
له من مظالم على يد نظام مبارك. ولما أبدوا استعدادهم لذلك نظمت لهم
حواراً، استمر يوماً كاملاً مع عدد من الدبلوماسيين الغربيين في
القاهرة وشارك عصام العريان، بل كان أحد نجوم الحوار وانبهر به
الغربيون، رغم الخلاف معه في عدد من القضايا.
أما المناسبة الأخيرة فقد كانت في ديسمبر 2004 في الأردن، في مؤتمر
نظمه مركز دراسات الإسلام والديمقراطية. وشارك فيه أمريكيون وعرب
مسلمين وغير مسلمين. وعلى الطريقة الأمريكية في تكنولوجيا المؤتمرات
والتسوية السلمية للصراعات طلب المنظمون من عصام العريان ومني أن نتقمص
أدواراً سياسية معاكسة تماماً لأدوارنا الفعلية في الحياة العامة. من
ذلك أن يقدم هو حججاً مقنعة ضد تطبيق الشريعة أو إقامة الدولة الدينية.
والمدهش أن عصام قام بهذا الدور خير قيام.
على امتداد 25 عاماً لم أسمع عصام العريان يدعو
إلى العنف، أو يحض على كراهية "الآخر" غير المسلم أو المختلف
معه في الرأي. كان عصام طالباً نابهاً في الطب، وكان نقابياً لامعاً.
وخاض وفاز في انتخابات برلمانية، وكان أداؤه في
مجلس الشعب نموذجياً، بشهادة زملائه من نواب الأحزاب الأخرى،
بما فيها الحزب الوطني. ربما لهذا الاعتدال
ولهذه الصفات القيادية الفذة، وضع نظام مبارك عصام العريان خلف القضبان.
فليتضامن معه كل أحرار مصر والعالم.