|
الحرية.. تكليفات وليست حقوقا
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
| الصفحة الأولى |
مهندس: نشأت جعفر** |
||||||||||||||||||||||||||||||||||
لم ترد كلمة الحرية في القرآن الكريم. إنما الذي ورد هو مشتقات من كلمة الحرية، مثل كلمة (تحرير) في الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}(1). وأيضًا كلمة (محررًا) التي تتحدث عن نذر أم السيدة مريم البتول حملها لله في آية: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (2). وكلمة (الحر) في آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(3). وعلى طريقة القرآن في ضرب الأمثال للناس؛ لإيضاح المفاهيم الضرورية بإثارة وتحفيز أدوات الفكر، وإعمال العقل فقد ضرب مثلاً في سورة النحل، يعبر عن الأهمية القصوى لقيمة الحرية في مسيرة الناس، فقال تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(4) فلا تساوي بين من يتمتع بالحرية ويعيش بها وبين من سلبت منه الحرية، وهذا من أساسيات العلم. وهناك من يزعم أن عدم ورود كلمة الحرية في القرآن، وأن الذي ورد فحسب مشتقاتها مثل كلمة (تحرير) والتي جاءت في صدد تكليف الإنسان المخطئ بكفارة عن خطئه بتحرير إنسان من عبودية الرق –تحرير رقبة- هو دليل على أن الإسلام لم يعرف للإنسان حقوقًا، بل فرض عليه واجبات، أو كلفه بتكليفات فقط.
بيد أن الارتفاع بالقيم الإنسانية
الأساسية، وعلى رأسها الحرية –وهي التي تعنينا في هذا المقام– من مستوى الحقوق
للإنسان، إلى مستوى التكليف أو الالتزام أو الشرط لاكتمال إنسانية الإنسان،
يدحض هذا الزعم بل يجعل الحرية من أبرز مقاصد وقيم الإسلام، ويسلب مصداقية أية
دعاوى باسم الشرع تروّج لسلب حرية الإنسان –أي إنسان– أو التغوّل عليها، أو
تقييدها، أو التنازل عنها، أو حتى القعود عن سبيل تحصيلها، باعتبارها مجرد حق
يمكن التنازل عنه في مقابل تمجيد الاستقرار والسكون أو تكريس مفهوم الطاعة
للسلطة، ومن أنواع السلطة التي حرر القرآن منها المؤمنين به سلطة الآباء، وسلطة
الملأ، وسلطة الفرعون، وأيضا سلطة الهوى بإيثار السلامة والخضوع وترك السعي
لتحصيل الكرامة والمساواة والحرية ولو استدعى الأمر الهجرة في أرض الله الواسعة
(راجع الآيات القرآنية).
ويبدو أن هذا المفهوم –رغم غياب كلمة
الحرية من مفردات القرآن– كان غاية في الوضوح في ذهن الرعيل الأول من المسلمين،
كما يظهر ذلك في قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص، ويتضح الأمر بجلاء في قول
عمر: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". كما نلمح ذات التوجه
في قصة ربعي بن عامر مع رستم ببلاد الفرس، حين سأله رستم عن دوافع مجيء العرب
لقتال الفرس؟ فأجابه ربعي: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله،
ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"
الحرية إذن هي فريضة وواجب والتزام وتكليف قبل أن تكون حقًّا، والمسئولية عن
نشرها وتوفيرها وحمايتها يدخل ضمن هذا التكليف للإنسان المكلّف، وقد مثّل ذلك
سياج الحركة والدعوة ومناط التوحيد الحق للصحابة والتابعين.
وليس من واجب الإنسان المكلّف فقط
السعي للحصول على الحرية، والمحافظة عليها، والدفاع عنها، وألا يسمح لنفسه أو
لغيره بالافتئات عليها، بل إن عليه أيضًا إلزاما وواجبًا بالدفاع عن حق الآخر
في الحصول على الفرصة العادلة للتعرف على ملامح الحرية، وأن يوفر لـه المناخ
المناسب لممارستها، وتذوق نتائجها وآثارها، وما فُرض الجهاد إلا لذلك الهدف،
تحرير الناس من الهيمنة على العقول والمقادير من قبل السلطة الباغية المستبدة،
ثم بعدها من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. القفزة هائلة والبون شاسع بين مفهوم
الحق السلبي أو العاطل، ومفهوم التكليف والواجب الإيجابي الحي والفاعل
والديناميكي.
وإذا كان الكون خلق لغاية وليس
عبثًا، والإنسان كائن مكلف، والعقل هو مناط التكليف، ومن شروط قبول الإنسان ذلك
التكليف الحرية والاستطاعة والطاعة، فلا يعني شرط الحرية هنا أن للإنسان من حيث
المبدأ أن يرفض التكليف أو يقبله ولا يتحمل تبعة الاختيار؛ لأن الإنسان قد سبق
وأقر بالتوحيد حين شهد لله بالربوبية بنص {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي
آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا
أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ
أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172-173]. فليست الحرية هنا والتي هي شرط للتكليف، تمارس في قبول التكليف أو رفضه؛ لأن التكليف ليس موضوعًا للمساومة، وإنما مجال الحرية للإنسان هو في العمل وفقًا لمتطلبات هذا التكليف أو ترك العمل بها وتحمل مسئولية هذا الاختيار بتقديم مشيئته في الكفر على مشيئة الله في استخلافه وتكليفه وتحمل عواقب ذلك في الدنيا والآخرة.. فأمر التكليف للإنسان محسوم في الآية 6 من سورة الانشقاق {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}.
والإنسان المكلف العاقل السميع
البصير حر في العمل وفقًا للتكليف، أو لـه غير ذلك {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ
عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ} ( الآيات
8-10 من سورة البلد). غياب مباحث الحرية في فكر السلف؟ على الرغم من عدم ذكر الحرية بلفظها في القرآن الكريم، فإن الباحث بين جنباته، ومن خلال آياته سوف يجد الحظ الوفير الذي أخذته دلالات ومعاني الحرية بأطيافها المختلفة، وقدر العناية الفائقة التي أولاها القرآن للاحتفاء بها. وحتى يمكننا تعقب ذلك الحضور الأخاذ للحرية بمختلف معاييرها وعناصرها لا بد أولاً من تصنيفها إلى فروعها المختلفة، وأنواعها التي تعارف عليها الفكر الإنساني. أي المقصود هنا أنه لكي نتمكن من تتبع الآيات التي تحدد المفهوم القرآني للحرية، والتي تشرح التوصيف الإلهي لها، يجب أن نحدد أولاً أصناف أو أنواع الحريات التي أجمعت الخبرة الإنسانية المتراكمة على أنها مطلوبة وضرورية للإنسان، فإذا وضعنا أمامنا أصناف الحرية وتقسيماتها التي انتهى إليها إعمال العقل البشري، والتي تطورت كحصيلة للتجارب الإنسانية المتراكمة، أمكننا استخراج الآيات التي تشير أو تدعّم أو توضح أو تضيف أو حتى تخالف هذه الأصناف من الحرية وتراها مخالفة لمقصود الإنسانية، من بين آيات القرآن الكريم. ومن البديهي أن نتجه أولاً إلى حصيلة الفكر الإسلامي، وإلى المصادر الإسلامية لمعرفة ما انتهى إليه الفقه في هذا المنحى. إن الفكر الوارد إلينا من خلال التاريخ الإسلامي قد شابه القصور الشديد في اتجاه التنظير للحرية، نتيجة لأسباب لا يتسع المقام هنا لمناقشتها، والتحدث عن أسبابها، والتي على رأسها الاستبداد السياسي الطويل الذي بدأ بمقتل الخليفة علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، وقد دفع هذا الاستبداد معظم العلماء والمفكرين المسلمين تاريخيًّا، بسبب الظروف السياسية إلى صرف جهودهم في استنباط الحكم التشريعي من الآيات، دون الوقوف عند الأهداف الكثيرة التي جاءت الآيات من أجلها، وأُنزلت للفت النظر إليها، وإدراك أبعادها، والتزامها في الحياة، فجعلوا الآيات موضوع الدراسة هي آيات الأحكام حتى يتم حفظ الدين للأمة في معاشها دون صرف جهد كافٍ لآيات السنن وشروط البناء الحضاري ومقومات القيام بأعباء الاستخلاف الإنساني. وبقيت آيات القرآن العديدة حول الاستخلاف والتوحيد وعلاقتهما بالإنسان وتحريره وفلسفة السنن الاجتماعية في قصص الأنبياء تتلى في العبادة فحسب. حتى الآيات التي وردت لتبين أسباب سقوط الأمم وانهيار الحضارات ليأخذ المسلمون حذرهم، فلا تتسرب إليهم إصابات الأمم السابقة وعللها، جعلوها دليلاً على تميز الأمة الإسلامية وكأنها مبرأة من أن تسري عليها تلك السنن إن هي تولت وأهدرت العدل والحرية والمساواة. وقد أنفق الرسول –صلى الله عليه وسلم- قرابة الثلاثة عشر عامًا وهي الفترة التي قضاها في مكة، في إرساء العقيدة والتوحيد والإيمان في نفوس المسلمين، وكانت هي المرحلة التي يمكن أن تسمى مرحلة بناء الذات الحرة الواعية العزيزة بالله، وهي الذات الضرورية لتحمل تبعات القيام بأعباء تأسيس الأمة، ونشر الدعوة والدفاع عنها، لذلك نجد أن الآيات المكية من القرآن هي الآيات التي تخدم البناء العقيدي والإنساني والحضاري، بينما تأخرت آيات الأحكام إلى المرحلة المدنية، وذلك لأن الحكم التشريعي إنما يجيء ثمرة للوجود والبناء الذاتي الإسلامي. فالحكم التشريعي لا ينشئ المسلم، ولا ينشئ المجتمع، وإنما ينظمه ويحميه، ولعل ذلك كان سبب تأخر الآيات التشريعية إلى الفترة المدنية؛ لتكون ثمرة لوجود فرد وجماعة وأمة وحضارة... أما أن يكون الحكم التشريعي هو الأول فعلى من سيتنزل؟ ومن سيطبقه بغية العدل والقسط إذا غاب الشهداء على الناس وتراجعت خلافة الإنسان بمعانيها وبحقها؟ ورغم ذلك الانصراف للعبادات والمعاملات دون السعي للعدل السياسي والدفاع عن الحريات العامة فلم يسلم حتى الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل من بطش الحكام، وساءت علاقاتهم بالسلاطين على الرغم من محاولاتهم لتجنبهم، فقد مات أبو حنيفة -رحمه الله- في السجن، وعذب ابن حنبل في محنة خلق القرآن، وكسرت ذراع مالك في فتوى سياسية حين أفتى بأنه لا قيمة لإيمان التواطؤ على البيعة، أما الشافعي فقد سيق في القيد مع تسعة من العلويين وتقدم الشافعي فصار في مواجهة الرشيد فلم يفقد اتزانه فزعًا، أو غضبًا أو يأسًا، ولم يتخل عن رباطة جأشه، وينجو الشافعي بشهادة القاضي، فينجو بنجاته ذخر زاخر من اللغة والأدب والشعر فضلاً عن علوم الدين. قبول الأمر الواقع، دفع الفقهاء إلى مزيد من الانكباب والاستفاضة في شروح العبادات والمعاملات على النحو الذي وصل إلينا، ولذا نجد هذا الثراء والغنى في فقه العبادات والمعاملات، لكن في المقابل ضمور وضعف في الفقه السياسي والدستوري باستثناء كتابات معدودة لا توازي القرون العديدة ولا تضاهي الفقه الغالب. أو كما يقول محمد الغزالي: "وتأثرت السياسة الإسلامية تأثرًا بالغًا، وانهزمت الشورى انهزامًا واضحًا، ووقع للأمة ما وقع". لا يعني ما سبق محاولة للإقلال من تأثير الحضارة الإسلامية الهائلة على مسيرة البشرية، بل وعلى الغرب الذي تسيطر حضارته على العالم منذ ثلاثة قرون وإلى الآن، لكننا نركز فيما سبق على أسباب تضخم فقه العبادات، وانكماش ما عداه والذي لا يقل في الأهمية لنشاط الإنسان كخليفة عن الله في أرضه، لذلك لم يكتمل بناء مفاهيم وتعريفات واضحة للحرية الفردية، وعلاقات الحرية بين السلطة والفرد في التراث الإسلامي، أو يمكن القول بعدم وجود هذه التعريفات. وليس يعني ذلك أن المفكرين المسلمين لم ينشغلوا بعلاقة الحاكم والمحكوم، فالواقع أنها شغلتهم دائمًا، وإنما من خلال مفهوم آخر هو مفهوم العدالة، فالحاكم مخوّل بالحكم بشرط أن يكون عادلاً في حكمه، ومن هنا شعار (العدل أساس الملك)، لكن الوجه الآخر هو تمتع الناس بالحرية ودفاعهم عن حقهم فيها، وهو ما قيده الفقهاء خشية انفراط عقد الأمة وحدوث الفتنة، فكانت فتنة الاستبداد أم الفتن التي وقع فيها المسلمون فأجهضت نهضتهم وأثمرت تدهور حضارتهم وأنجحت مؤامرات عدوهم.
خرائط الحرية: مقدمة في القياس الغائب يمكن رسم خريطة الحريات في الدولة الحديثة كم يلي:
ويمكن أيضًا تقسيمها بشكل مختلف كالتالي:
- وقد فرق آيزيا برلين-أبرز المفكرين الغربيين الذي نظروا للحرية بين:
وهكذا يمكن تحديد الحريات الأساسية بالتالي: 1 – حرية العقيدة والاعتقاد. 2 – حرية الفكر. 3 – حرية الاختلاف. 4 – حرية السؤال، وحرية المجادلة، وحرية المناقشة، وحرية إبداء الرأي، وحرية الاجتهاد، وواجب الشورى. 5 – حق العمل، وحق المرء في سؤال دولته تقديم خدمات لـه. 6 – حق التنقل والانتقال. 7 – حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات والنقابات والشركات. 8 – سلامة البدن وحق الأمن، وحرمة المسكن وسرية المراسلات. وهناك حريتان إضافيتان، أضافهما الإسلام إلى حريات الفرد والجماعة، وهما: 9 – حرية الدعاء وحق الاستجابة. 10 – حق الخطأ وحق المغفرة – واجب الاجتهاد وأجر المحاولة. فأي تلك الحريات يخالف الشرع أحكاماً ومقاصد؟
الحرية هي الأمانة.. محاولة اجتهادية الآية القرآنية التي توضح الصورة المهيبة لموقف العرض الإلهي من قبل الحق -تبارك وتعالى- على الكائنات للأمانة، حين قال تعالى: {ِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (5). تدلنا على أن المقصود بالأمانة في هذه الآية الكريمة هو الحرية؛ فالأمانة ليست محض التكليف بل هي الحرية المتأسسة على تميز الإنسان بالعقل والتي هي مناط التكليف. وقد اختلف المفسرون في شرح وبيان هذه الآية، فقال الإمام الزمخشري( 6): "وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظّم أمرها وَفَخَّمَ شأنها .. وعرْضها (أي الأمانة) على الجمادات وإبائها وإشفاقها مجاز..."، ثم يقول: "إن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثـقل محمله، أنه عُرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواها وأشدها أن تتحمله وتستقل به، فأبت حمله أو الاستقلال به، وأشفقت منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته، حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها".وقال الفخر الرازي: "هي التكليف..."(7). وقال الإمام ابن كثير: "قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة (الطاعة)، عرضها الله -تعالى- عليهم (أي على السماوات والأرض والجبال)، قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها فذلك قولـه – تعالى. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة (الفرائض)، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها... وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جُبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي (الفرائض)، وقال آخرون: هي (الطاعة)»(8). تتلخص أقوال المفسرين السابق بيانها، وغيرهم ممن لم نذكره فيما يلي: · إن الأمانة هي التكليف أو الطاعات أو الفرائض أو قبول الأوامر والنواهي بشرطها. · إن الإنسان قد ظلم نفسه بحمله لهذه الأمانة؛ لأنه تحمل ما لا يطيق جهلاً منه بطاقته. وبذلك يمكن القول إن إجماع المفسرين على أن الأمانة هي (التكليف)، ويؤكد ذلك الأستاذ العقاد في قولـه: "ولقد وضح معنى الأمانة وضوحًا لا يقبل اللبس أو الانحراف بالفهم عن جوهره المقصود، وهو (التكليف)، فمن لم يذكره من المفسرين بنصه، ذكره بمقتضياته ومتعلقاته، وهى ملازمة لـه لا تنفك عنه"(9). ونلاحظ أيضًا أن المفسرين قد خلطوا في أقوالهم بين أساس التعاقد وهو (التكليف)، وبين شروط هذا التكليف مثل (الطاعة)، فأطلقوا اسم (الطاعات) على التكليف، فأصبح شرط التعاقد (الطاعة) اسمًا لأساس التعاقد (التكليف). كما أنهم لم يذكروا الشرط الآخر وهو (الحرية) صراحة، بل ألمحوا إليه بالقول: (إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت)، فلم تذكر هنا الحرية صراحة، ولكن عوضًا عن ذلك أشير إليها بذكر القدرة على الاختيار بين البدائل. لكن التكليف ليس بالأمر القابل للعرض، ناهيك عن القبول أو الرفض من المخلوقات، حيث هو أساس خلق هذه الكائنات، فيمتنع لدينا قبول تفسير الأمانة بأنها التكليف. ويكون المقبول أن الأمانة التي عرضت على الكائنات في هذه الآية هي قبول أو رفض شرطي التكليف ابتداء وهما الطاعة والحرية، وليس التكليف ذاته. وحيث إن السماوات والأرض هي كائنات قد جبلت على الطاعة لقوله – تعالى- : {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (10)، ما يعني أنها مخلوقات لا تعرف إلا أن تكون طائعة، ولا تقدر إلا على فعل الطاعة؛ لأنها مفطورة عليها، فيصبح عرض الأمانة بمعنى (الطاعة) لا محل لـه، حيث لا محل لأن تعرض اختيار أمر على من لا يملك أن يرفضه، فلا يبقى لنا إلا شرط (الحرية)، ما يعني أن الأمانة التي عرضت على الكائنات هي الحرية، حرية الاختيار بين البدائل، أن تملك القدرة على الفعل والترك، القدرة على أن تقوم بواجبات التكليف، والقدرة على ترك هذه الواجبات، بل أن تمنعها حتى من الحدوث، مع تمام المعرفة بثواب الفعل، والعقاب على الترك. ويصبح هنا من المفهوم أن السماوات والأرض والجبال قد رفضن تحمل هذه المسئولية الجسيمة، وخفن من التبعات الهائلة المترتبة على القدرة على الاختيار بين البدائل، وكان لها ما أرادت، وفى ذلك يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية نفسها عن رفض السماوات والأرض: «لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قولـه -تعالى-: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}(11). من وجهين: أحدهما أن هناك السجود كان فرضًا، وها هنا الأمانة كانت عرضًا، وثانيهما أن الإباء كان هناك استكبارًا، وها هنا استصغارًا: استصغرن أنفسهن بدليل قولـه تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}(12)». لكن المسئولية جسيمة فلِم حملها الإنسان؟؟ الإنسان ذلك الكائن المكلف الفريد هو الذي قبل بتحمل مسئولية الحرية والقدرة على الاختيار، وبذلك أصبح الكائن المكلف الحر المختار. ولو دققنا النظر في هذه الآية لوجدنا من سياق الآية أن الأمانة لم تعرض في الأساس على الإنسان، وهي نقطة تثير الانتباه والدهشة، وكأن الحق -تبارك وتعالى- يخبرنا أن الإنسان، ذلك الكائن المتفرد، قد تقدم من تلقاء نفسه، من بين صفوف المخلوقات طالبًا لها دون أن تعرض عليه، ولذلك فقد استحقها وفاز بها؛ لأنه لا يستحق الحرية إلا من يتشوّف إليها، ولا يفوز بها إلا من يعشقها ويرغب فيها ويطلبها. هل يمكن القول إن الإنسان قد مارس الحرية في الحصول على الحرية؟ فالحرية اكتمال للمعنى الإنساني ونفي للجهالة، وإذا كان الأمر كذلك – وهو في زعمي كذلك– فكيف يستقيم أن يوصف الإنسان، الذي حمل شعلة الحرية المقدسة، بأنه ظالم لنفسه جاهل لطاقته، بحمله لأمانة الحرية، أو أنه تحمل ما لا طاقة لـه به، وقاده جهله إلى حمل ما يثقل كاهله. هل من المعقول أو المقبول أن الخالق العظيم، الرءوف الرحيم، الذي سبق حبه لخلقه حبهم إياه، والذي لا يقول لمن يدير إليه ظهره من خلقه، ناكرًا مستكبرًا موغلاً في الخصومة، لا يقول لـه إلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(13). - انظروا إلى رقة التعبير – فالعلاقة قائمة على المحبة، وبها فقط تستمر أو تنقطع، وهو الله الذي حرم الظلم على نفسه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (14)، وجعله بين الناس محرمًا، أن يعرض على الإنسان شيئًا لا يطيقه، ثم يصف الإنسان بعد ذلك بأنه ظالم وجاهل؛ لأنه قبل وتحمل هذا الأمر. إن الله هو القائل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(15)، فمناط التكليف الوسع، وهو أحد شروط التعاقد، فلا يستقيم أن يترك الإنسان ليتحمل ما إن حمله فقد ظلم به نفسه، وساقه إلى الوقوع في ذلك جهله، ولا سبيل إلى الطاعة إلا من خلال الاستطاعة "إن التكاليف التي تفرض على الناس لا يقصد بها قصم ظهورهم، ولا تسجيل العجز عليهم، ولا إرهاقهم، حتى يصبح الدين امتحانًا، والعقيدة مصابًا، وإنما قصد بها إسعادهم، وتثبيت أقدامهم على طريق الخير، والأخذ بأيديهم في طريق التقدم والتطور، وتحبيب الفضائل، وتقبيح الرذائل لديهم. يقول -تعالى-: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا و¡ | |||||||||||||||||||||||||||||||||||