
مشكلة الحجاب في تركيا
اعداد حماسنا
-----
تعتبر تركيا من قبل البعض نموذجا
للدولة الاسلامية الديمقراطية.
وتدافع المؤسسة العسكرية فيها والتي تتمتع بنفوذ واسع بقوة عن فصل
الهوية العلمانية العامة للدولة عن الممارسات الدينية الخاصة. ويحرص
الكثيرون في تركيا على اظهار هذا الفصل امام العالم. فهم يريدون
الايحاء بأن الدولة التركية دولة علمانية حديثة غربية التوجهات.
وقد تجلى ذلك بوضوح عندما فازت تركيا بجائزة في مسابقة الاغنية
الاوروبية العام الماضي، حيث مزجت المغنية سيرتاب ايرينير التي ارتدت
ملابس غير لائقة الايقاعات الشرقية مع الموسيقى الغربية لتصبح اول
تركية تفوز بهذه الجائزة.
إلا أن هذه الصورة لا تعبر عن تركيا بأكملها، حيث تشير التقديرات ان
حوالي ثلثي النساء في تركيا يرتدين الحجاب،
ورغم ذلك فإن الحجاب محظور في البرلمان والمكاتب الحكومية والجامعات
والمدارس الثانوية، وتجبر النساء الملتزمات على الاختيار ما بين وظيفة
حكومية والامتثال لواجب ديني، وبين التعليم والإيمان بحيث لا يسمح
للمرأة التي ترتدي الحجاب بدخول المؤسسات التابعة للدولة.
ومع تشديد الحظر في عام 1997م بدأ تزايد عدد النساء التركيات اللاتي
يسافرن إلى الخارج للالتحاق بالتعليم الجامعي، بينما تتحايل الكثير من
الفتيات المحجبات للتوفيق بين عقيدتهن الإسلامية ورغبتهن في التعليم،
بأن يخلعن حجابهن خارج بوابات الجامعة وارتداء شعر مستعار بدلاً من ذلك
...!!!
وتعد مشكلة حق المرأة في
ارتداء الحجاب في التعليم والعمل واحدة من أسخن القضايا الداخلية
المطروحة بقوة على الساحة السياسية التركية منذ عشرين سنة تقريبا، ومع
هذا فلم تصل هذه المشكلة لحل نهائي حتى اليوم. على أن هذه المشكلة
المزمنة والتي تشغل نسبة تقارب 80% من نساء تركيا وأكثر من 50% من
رجالها، قد دخلت هذه المشكلة منعطفا مهما منذ عام 1997، في أعقاب
التدخل العسكري من قبل مجلس الأمن القومي وقت حكومة حزب الرفاه.
فقد قام الجناح العسكري من مجلس الأمن القومي يوم 28/2/1997 بفرض 18
شرطا على الحكومة الائتلافية المدنية التي كان يتزعمها الزعيم الإسلامي
نجم الدين أربكان. ومع رفض أربكان وحزب الرفاه تطبيق تلك الشروط والتي
كان من بينها منع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات، أجبر مجلس الأمن
القومي ورئاسة أركان الجيش حكومة حزب الرفاه على تقديم استقالتها في
يونيو/ حزيران 1997 في ظل تهديدات مبطنة وأخرى علنية بالقيام بانقلاب
عسكري.
وفي أغسطس/ آب 1997 وافقت الحكومة الائتلافية برئاسة مسعود يلماظ
ونائبه بولنت أجاويد على قانون التعليم المستمر غير المنقطع ثماني
سنوات في المرحلة التعليمية الأساسية، مما أدى إلى إغلاق المرحلة
الإعدادية من مدارس الأئمة والخطباء الدينية، وذلك تمهيدا للإغلاق
النهائي لتلك المدارس وهي المدارس الوحيدة التي كان مسموحا فيها للبنات
بارتداء الحجاب.

ويعد الجيش التركي نفسه الجهة الوحيدة الأمينة على مبادئ وأفكار
أتاتورك وعلى رأسها المبدأ العلماني اللاديني، ومن هنا ينظر الجيش بعين
الشك والريبة للتعليم الديني الإسلامي ويفرض على الحكومات المدنية منذ
عام 1960 أشكالا مختلفة من الضغوط وبخاصة على التيار الإسلامي الذي
يصفه بالرجعي. من هنا جاء إصدار قرار منع المحجبات من التعليم بكل
أنواعه عام 1998، على يد حكومة الائتلاف الحالية بزعامة بولنت أجاويد،
وبإيعاز من مجلس الأمن القومي.
غير ان هذه القضية المؤرقة لنصف عدد طالبات تركيا لم تعد تتعلق
بالطالبات فحسب بل تجاوزتهن لتطال أمهات
الطالبات أيضاً، حيث رفضت جامعة اسطنبول الكبرى استقبال أي طالبة لأم
محجبة أو طالب لأب ملتح.
ففي واقعة جديدة مناهضة للحجاب في تركيا،
شددت إدارة جامعة اسطنبول الكبرى، والتي تستقبل فقط الطلاب المتفوقين
من ذوي العقول الخارقة، على ضرورة أن تلتقط الطالبات والطلاب صوراً
عائلية مع أمهاتهم وآبائهم لقراءة أفكار الأهالي، والتأكد مما إذا كانت
الأم محجبة أو الأب ملتحياً.
وتؤكد أمهات الطالبات المحجبات، أن الجامعة
ترفض إجراء القيد الجامعي للطالبات والطلاب، الذين يشتبه بالتزام
أهاليهم الإسلامي، وقد أثار شرط الجامعة الجديد حفيظة أهالي بعض
الطلاب، الذين استنكروه بشدة ورفضوا الاستسلام له..، مؤكدين بأن تركيا
دولة مسلمة ما أدى إلى إبطال القيد الجامعي لأولادهم، فيما اضطر البعض
الآخر إلى خلع الحجاب وحلق اللحى، لالتقاط صور عائلية مع أولادهم، كيلا
يضيعوا عليهم فرصة الالتحاق للدراسة بكبرى الجامعات التركية.
يأتي ذلك في الوقت الذي
ترفض فيه الجامعة هذه الادعاءات وتبرر طلبها للصور؛ بأنه لغرض تذكاري
فقط للتعرف على طبيعة الطالب وبيئته وأخلاقه عن كثب ....!!

يقول ولي أمر إحدى الطالبات
والذي ترتدي زوجته الحجاب، بأنه نفد صبره من هذا التشدد البائس على
الحجاب، وأضاف: "لقد بدأنا نشك بكل شيء بأنفسنا وصحة مبادئنا، لو كانت
إمكانياتي المادية تسمح لكنت سافرت إلى الخارج لأعلم أولادي، لأنني
سئمت بالفعل من هذا التشدد".
ومضى يقول: "زوجتي غير قادرة على العمل
لكونها محجبة، وهو نفس الذنب الذي حرم ابنتي من الالتحاق بهذه الجامعة،
الحجاب في تركيا مضطهد بشكل عجيب ولا أدري لماذا..!!".
اما ميرفت اكتاس فقد اقيلت من وظيفتها
كمعلمة بسبب ارتداء الحجاب، ولم تدخل أي مدرسة لسنوات لما يثيره لديها
من أحاسيس مؤلمة ...
تقول المعلمة
التركية السابقة: حتى السير قرب مدرسة الآن وسماع صوت الاطفال
في ساحة المدرسة يشعرني بالالم. أسأل نفسي لماذا حدث ذلك لي وليس لاحد
اخر. هل أنا سيئة هكذا.
صديقتها توركان باكاجاك لديها أيضا ذكريات مؤلمة من فترة عملها كمدرسة
للرياضيات.
تقول باكاجاك:
جاء مفتش وطلب أن أتخلى عن الحجاب. انه لأمر مقزز. انه مثل أن يطلب
أحدهم التعري. انهم يدمرون مكانتك عند الطلبة واحترامهم لك.
ويقول
البعض ان الحظر المفروض على الحجاب في تركيا أشد من القيود الموجودة في
دول اخرى ويعتبرونه انتهاكا لحرية الافراد في التعبير في بلد يوشك أن
يبدأ هذا العام مباحثات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الاوروبي.
وقال ايهان بيلجين
رئيس جماعة "مظلوم دار" للدفاع عن حقوق الانسان لرويترز: تركيا لم تحظر
ارتداء الحجاب على موظفات الحكومة أو الطالبات في المدارس العامة فقط
كما في فرنسا بل انها تفرض ذلك أيضا في المعاهد الخاصة وفي دورات
الحصول على تراخيص القيادة وساحات القضاء بل وفي المستشفيات.
وتابع : هذه ليست قضية حقوق أقلية كما
في الدول الغربية حيث أغلبية السكان غير مسلمين لكنها مسألة شرعية
النظام الديمقراطي في تركيا. وأضاف: أن الاحزاب السياسية والانتخابات
والبرلمان جميعها تخاطر بفقدان ما لها من شرعية لان الاحزاب التي تولت
السلطة وسبق أِن وعدت برفع الحظر على الحجاب لم يسمح لها بذلك من جانب
سلطات خارج البرلمان.
وقال بيلغين: من المخجل
لتركيا أن تكون زوجة رئيس وزرائها المحجبة موضع قبول البيت الابيض دون
أن يتاح لها ذلك في قصر الرئاسة ببلدها.

فقد أظهرت وسائل الاعلام
التركية في العام الماضي " ايمين" زوجة رئيس الوزراء طيب اردوغان
المحجبة وهي تتناول الشاي مع لورا بوش قرينة الرئيس الاميركي جورج بوش
في البيت الابيض
الا أنها اشارت إلى أن "ايمين" قد لا تستطيع أبدا القيام بالامر نفسه
في قصر الرئيس التركي العلماني احمد نجدت سيزار ..!!
ويقول المدافعون عن الحظر على الحجاب في تركيا انه أمر مشروع لمواجهة
الاصولية الاسلامية التي يقولون انها تريد فرض رموز دينية صارمة على
المجتمع واقامة دولة تقوم على الافكار الدينية. وهم يشيرون أيضا إلى
حكم مهم أصدرته المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في العام الماضي ساند
الحظر ورفض دعوى استئناف من طالبة تركية منعت من متابعة دروسها في
جامعة اسطنبول بالحجاب لانه ينتهك اللوائح الرسمية الخاصة بالزي.
وقد حاول حزب العدالة والتنمية الحاكم ذو الجذور الاسلامية التخفيف من
الحظر الا أنه واجه معارضة قوية من جانب الجيش والمؤسسة البيروقراطية
حيث الولاء أقوى ما يكون للقيم العلمانية ... مما دفع برئيس وزراء تركيا 'رجب طيب أردوجان' إلى التهديد
بإجراء استفتاء لحسم مسألة حظر ارتداء الحجاب في الجامعات.
موضوع
ذات صلة :
معركة الحجاب في تركيا.. من جديد!
دعاوى الحرية !!