قراءة خاصة في تجربة حزب "العدالة والتنمية" التركي
الشيخ راشد الغنوشي / مفكر إسلامي‏ ورئيس حركة النهضة بتونس
 

تركيا بلد المتناقضات والألوان المختلطة

من جهة الجغرافيا هي بلد يمتد بين قارتين، ورغم أن معظمه يقع في آسيا، وهو ما اتخذه الرئيس الفرنسي السابق تعلة لتأسيس رفض انتمائه إلى أوروبا، بل اعتبر انتماءه للاتحاد بمثابة الإجهاز عليه.

أما من جهة النظام السياسي فهي بلد ديمقراطي، بل لعلها أقدم ديمقراطية في المنطقة، إذ ظلت صناديق الاقتراع تفرز برلمانات وحكومات، من دون أن يشكك أحد في مصداقيتها، مما هو غريب في دول حديثة مشابهة من جهة تاريخ العلاقة بالحداثة، مثل مصر وتونس. ومع ذلك فالبلد تداولت عليه فترات الديمقراطية والانقلابات العسكرية. وكان آخرها انقلاب 1980 الذي وضع حداً لفوضى الاقتتال بين الجماعات القومية واليسارية، كما أراد أن يضع حداً لصعود الإسلاميين.

ولم يعد الجيش إلى ثكناته إلا بعد أن أعاد ترتيب الحياة السياسية، وضبط الهيكل العام للدولة على نحو يجعل للمؤسسة العسكرية سلطة الرقابة على سير العملية الديمقراطية، ومدى انضباطها بالإطار العلماني للدولة، وبجملة الاختيارات الكبرى الاقتصادية والعسكرية والعلاقات الدولية، وذلك عبر سلطة مجلس الأمن القومي، الذي بلغ سلطانه حد طرده رئيس وزراء منتخب، بل وإيقاف العملية الديمقراطية ذاتها، وحل الأحزاب، والزج برؤسائها في السجون، من أجل إعادة ترتيب الأوضاع بما جعل العسكر هم الدولة في المحصلة النهائية.

من جهة الثقافة، تركيا بلد القطائع والمتناقضات الشديدة، فقد حولها انقلاب النخبة المتغربة (نخبة جماعة الدونمة أي اليهود المتأسلمون بعد طردهم من الأندلس، والتجائهم إلى حاضرة الخلافة) بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، من عاصمة الأمة الإسلامية المترامية الأطراف، عبر القارات الثلاث، إلى دولة قومية شوفينية، في تعصبها للعنصر التركي، وعلمانية متطرفة حاربت الإسلام بكل ما ملكت من وسائل، وراهنت على استبدال الهوية الإسلامية العثمانية بهوية قومية علمانية أوروبية، عبر حملة شاملة على كل مؤسسات الإسلام التعليمية والوقفية والشعائرية بل التشريعية والدولية.

لقد غيّرت الدولة قبلتها بالكامل، ولم تدخر جهداً في حمل الشعب على ذلك، رغم أن تجربة ثلاثة أرباع قرن أثبتت أن تغيير هويّات الشعوب أمر بالغ العسر، بسبب ما أبداه الشعب من مقاومة متعددة الأشكال، كان من بينها صعود حزب من داخل النخبة العلمانية العسكرية في الخمسينات، بقيادة عدنان مندريس، وفتح ثغرة محدودة في جدار العلمانية المتطرفة في عدائها للإسلام، التي أرساها مؤسس الجمهورية.

وتتمثل هذه الثغرة البسيطة في الاتجاه إلى الاعتراف بالهوية الإسلامية لتركيا، عبر السماح بأداء الأذان بالعربية، ما جعل الناس يخرون سجداً ويبكون فرحاً، وكذا الإذن بفتح معاهد لتخريج الأئمة والخطباء.

ورغم أن هذه السياسة لم تستمر أطول من الفترة بين 1950 و1960، إذ تم التصدي لها بكل عنف، من قبل حراس المعبد العلماني، الذين انقلبوا على الديمقراطية، بعد أن كانوا قد بدأوا بالانقلاب على الإسلام، فعلّقوا رئيس الوزراء المنتخب عدنان مندريس، ورئيس الجمهورية جلال بايار على المشنقة...

وبعد أن أعادوا ترتيب الأوضاع، وبضغط من الشركاء الأوروبيين، من أجل الحفاظ على مستوى من الانسجام مع الوجه الأوروبي، الذي تحرص عليه النخبة، أو المفروض عليها، تمت العودة إلى الديمقراطية، غير أنها أفرزت مرة أخرى حزباً علمانياً معتدلاً بزعامة شخصية معتدلة قريبة من الجماعات الصوفية هو سليمان ديميريل، الذي استأنف على نحو ما سياسة مندريس من جهة السماح بالممارسة الدينية، وهو نفسه كان معروفاً بأداء الصلاة.

وفي عهده استأنفت الحركة الإسلامية بزعامة البروفسور نجم الدين أربكان  عملها، ضمن حزب جديد هو حزب السلامة الوطني، الذي ظهر على أثر ما شهدته الساحة من صراعات اليمين واليسار وتشتت الأحزاب، ما أتاح لأربكان فرصة التحالف مع مختلف الأحزاب العلمانية لتشكيل الحكومة مرة مع اليسار بزعامة أجاويد، "رئيساً للوزراء"، ومرتين مع حزب العدالة بزعامة ديميريل.

قدمت هذه التحالفات الغطاء السياسي الضروري لنمو بنية تحتية قوية للإسلام، تمثلت في إشادة سلسلة واسعة من المدارس الثانوية والابتدائية لتخريج الأئمة والخطباء، واستقبلتهم كليات الشريعة لمواصلة تعلمهم ثم انفتحت في وجوههم مختلف أبواب الاختصاصات، وفك الحصار عن المساجد والتدين عامة. غير أنه أمام صعود الإسلاميين واشتداد حمى الصدام بين المتطرفين من اليمين واليسار، تدخلت المؤسسة العسكرية الوصي على تراث أتاتورك لتضع حداً لصعود الإسلاميين المتزايد مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، من جهة، وللفوضى من جهة أخرى. ولم تعد إلى ثكناتها إلا بعد أن وضعت الوثيقة الدستورية الرابعة، التي نصبّت المؤسسة العسكرية عبر مجلس الأمن القومي حارساً ووصياً على تراث أتاتورك، كما سبق، وتسلم تورغت أوزال رئاسة الوزراء، فما لبث أن أعاد منهج مندريس إلى الواجهة في خطوة تهدف إلى مصالحة تركيا الحديثة مع هويتها الإسلامية والتخفف من تصلب العلمانية الأتاتوركية المعادية للإسلام.

ضمن هذه الأجواء، تفاعلت مجموعة عوامل سياسية داخلية وخارجية، لتعزز من موقع الإسلام السياسي، فمن عودة الحركة الإسلامية في صيغتها الجديدة المتمثلة بحزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان، وتفشّي الفساد وسط النخبة العلمانية للأحزاب، وتعطش الشعب للهوية، والأزمة الاقتصادية، إلى استمرار انغلاق البوابة الأوروبية في وجه تركيا، مروراً بانتشار الكتاب الإسلامي بفعل الترجمات السريعة لكل ما ينشر في العالم الإسلامي، ولا سيما من قبل كتّاب الحركة الإسلامية في تيارها الوسطي، كل هذه الأمور كان لها الأثر في تعزيز المد الإسلامي، حتى بات حزب «الرفاه» على رأس الأحزاب التركية بنسبة فاقت 22% من أصوات الناخبين، فأمكن لما يسمى الإسلام السياسي أو الحركة الإسلامية تشكيل الحكومة لأول مرة في تاريخ الدولة التركية الحديثة، متحالفاً مرة أخرى مع حزب علماني محافظ، تتزعمه سيدة هي تانسو تشيلر، وذلك سنة 1996.

غير أن حراس المعبد العلماني قد استنفروا مصممين على الإطاحة بأربكان وحزبه، رغم كل التنازلات، التي قدمها للتواؤم مع شعائر المعبد، من مثل الوقوف على قبر أتاتورك، وأداء التحية له، واستقبال مسؤولين إسرائيليين، والمحافظة على الارتباطات الأطلسية والأوروبية. ولكنهم نقموا عليه بسبب مدّه جسوراً قوية مع الجوار العربي والعالم الإسلامي عامة، بمبادرته لزيارة عدد من الأقطار العربية والإسلامية مثل (ليبيا ومصر وإيران)، وعمله في تأسيس نادي الثمانية G8 للدول الإسلامية الكبرى، مقابل نادي السبعة للدول الرأسمالية الكبرىG7. واستضافته في شهر رمضان بعض رموز الصوفية والأئمة الكبار.

ورغم أن أداء أربكان الاقتصادي كان عظيماً في النزول بالتضخم والبطالة والدين الخارجي إلى أدنى نسبة، بالقياس إلى الحكومات السابقة، ورغم أدائه المتميز غير المسبوق للبلديات، التي تديرها جماعة الرفاه، إلا أن ذلك وبقدر ما رفع مكانة الإسلاميين لدى الشعب، بقدر ما رفع مستوى نقمة الباب العالي (الهيئة العليا لرجال الأعمال والصحافة وقادة العسكر)، فصعّدوا الضغط عليه حتى حملوه على الاستقالة، وحركوا أداة أخرى من أدوات سيطرتهم (المحكمة العليا) فحلت حزباً في أوج عطائه، بنفس الاتهام الثقافي المعتاد: النيل من هوية الدولة العلمانية. وشنت على التيار الإسلامي ما يشبه حرب إبادة، وذلك على إثر ما استبد بأذهان حراس المعبد العلماني، من شعور بأن الحياة من حولهم بقيادة رئيس الوزراء، زعيم الحركة الإسلامية، اتجهت قدماً في اتجاه الإسلام، بما يهدد بتغيير طبيعة الدولة، فانعقد مجلس الأمن القومي في اجتماع عاصف اشتهر باجتماع 28 فبراير 1997 الذي صدر عنه 18 بنداً، هي جملة من الإجراءات الصارمة ضد التيار الإسلامي على كل الصعد الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، وأمر رئيس الوزراء الإسلامي بتنفيذها، ما اضطرّه إلى الاستقالة، لتدخل بعده تركيا في طور عصيب من الاضطراب السياسي والثقافي والفساد الاقتصادي المهدد بالانهيار.

واستمرت هذه المرحلة العصيبة، التي عرفت بمرحلة 28 فبراير، ولم تنته إلا بانهيار الطبقة السياسية بيمينها ويسارها، وجملة أحزابها تقريباً، ليعود التيار الإسلامي بعد خمس سنوات في ثوب جديد بزعامة شابة، تربت في أحضان المعاهد الدينية، ثم في الحركة الإسلامية خلال عقدين، وشملتها موجة الاضطهاد.

وتمثّلت هذه الزعامة بشخصية الطيب رجب أردوغان، الذي أطيح به من رئاسة  بلدية من أكبر البلديات في العالم، حيث تجلت فيها عبقريته، إذ توصّل إلى حل مشكلات حياتية فشل فيها كل من سبقه، فأحاطه الناس بحب عظيم. ولم يشفع له ذلك من العزل والزج به في السجن.

لقد أفضى الحكم العسكري إلى إقصاء زعيم الحزب أربكان من السياسة، ما اضطره أن يمارسها من وراء ستار، من خلال حزب جديد هو حزب الفضيلة، دفع إلى قيادته أحد رفاقه هو المحامي رجائي قوطان، وحافظ الحزب على مكانه على رأس الأحزاب، لكن في المعارضة. ولم يرض ذلك الباب العالي، فصدر قرار بحلّه، فتشكل حزب السعادة بديلاً له. وفي مؤتمره تحدى تيار الشباب بزعامة عبد اللَّه غول وأردوغان قيادة الحزب المتمتعة بثقة أربكان. وكاد غول أن يفوز بالقيادة، ليضع موضع التنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي يطالب به هو وأردوغان، فلما لم يحصل ذلك انطلق هذا التيار إلى تشكيل حزب جديد انحاز إليه 51% من نواب الحزب في البرلمان.

وكانت الفكرة الأساسية لحزب «العدالة والتنمية»، الحزب الجديد من أحزاب الحركة الإسلامية، تحمل جملة من التعديلات على السياسات المعهودة في هذا التيار، اعتباراً بما حدث في السنوات الست العصيبة الماضية، حيث تعرضت الحركة الإسلامية لمخطط إقصاء واستئصال وكسر عظم، على يد صاحب السلطة العليا الجيش.

لقد كان من أهم الدروس التي استقاها الحزب الجديد تجنب كل ما يفضي إلى تجدد الصدام مع صاحب السلطة، بل العمل على كسب ثقته، وكذا تجنب الصدام مع العسكر ومعبدهم العلماني، وهو ما لا يمكن تحقيقه مع استمرار زعامة أربكان، الطرف المباشر في ذلك الصدام. وكذا إعطاء الأولوية للعلاقة مع أوروبا وللاقتصاد، والابتعاد عن إثارة المعارك حول بعض القضايا الحساسة، مثل الحجاب، باعتباره من أسخن ساحات الصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني، الذي لم يتردد في طرد نائبة من البرلمان، وشطبها، رغم أنها منتخبة... فقط بسبب إصرارها على غطاء الرأس، وهو ممنوع بنص دستوري، مع أن الزائر لتركيا يفاجأ بالحجم الواسع لانتشار الحجاب، حيث يتراوح في مدينة مثل إسطنبول بين 70 إلى 80%، على حين أن أبسط معنى للديمقراطية أن تكون السلطة معبرة عن إرادة الشعب كله أو أغلبه على الأقل، وهذا مثل آخر صارخ على ما تتلظى به الحياة التركية من تناقضات، فهي خليط من إسلام وعلمانية، عثمانية وأوروبية، دكتاتورية وديمقراطية، حكم الشعب وحكم العسكر، بين شارع يملأه الإسلام ودستور يحاربه. هذا هو الواقع الذي يجب التعامل معه بالحكمة، والرهان على النفس الطويل في التطوير، وتأجيل طرح المحاور المثيرة، وإعادة ترتيب الأولويات، وإيلاء قضايا المعاش، وحقوق الإنسان، واحترام القانون، ومقاومة الفساد في نخبة الحكم الأهمية الكبرى، وتهيئة البلد للانضمام إلى أوروبا سبيلاً اخر للتقوي على الباب العالي الجديد، والحد من سلطانه المطلق.

ما حقيقة مشروع‏ العدالة والتنمية؟

قد يكون من الطبيعي التساؤل عن إمكان استمرار وتواصل هذا المشروع الجديد، الذي بدأه مندريس واستأنفه ديميريل ثم تورغت أزال، ووصل إلى أوجه مع أربكان، أي مشروع مصالحة تركيا الحديثة مع تاريخها وهويتها، من خلال الحد من التطرف العلماني للدولة في عدائها للدين، في مسعى لاستبدال علمانية متطرفة بأخرى معتدلة، هي أقرب إلى النوع الأوروبي، الذي يغلب عليه الحياد، إزاء المسألة الدينية، وذلك بالإفادة من التجارب السابقة، باعتماد مرونة أكبر في خدمة المشروع نفسه، بما يحفظ جوهره، ويتخلى ولو ظرفياً عن بعض مظاهره، من أجل فتح أبواب التطور في وجهه بعيداً عن أسباب التصادم مع «الباب العالي».

وتأتي أهمية هذا التساؤل مع اعتبار البعض أن مشروع «العدالة والتنمية» هو تنازل عن مشروع الحركة الإسلامية بل خيانة له. وفي أفضل الأحوال الرهان على ما سماه هذا البعض بالعلمانية الإسلامية،؟؟ أو هو ما اعتبره أنصار مؤسس المشروع البروفسور نجم الدين أربكان إيثاراً لملاذ السلطة، والعيش تحت الأضواء، وإرضاء العسكر ومؤسسة المال والإعلام والأمريكان؟ تنازل عن جوهر المشروع الإسلامي، واستسلام للعلمانية، وانتصار ساحق لها، كما روج لذلك بعض عتاة العلمانية في بلادنا، مبدين فرحة صفراء بانتصار العدالة والتنمية؟

الثابت أن حزب «العدالة والتنمية» بزعامة النجم الصاعد الشاب رجب أردوغان، رئيس بلدية إسطنبول، (وهو إلى جانب غول أبرز الشباب، الذين أعدهم أربكان لخلافته)، قد نجح إلى جانب احتفاظه بشعبية واسعة داخل التيار الإسلامي في استقطاب قطاع واسع من اليمين العلماني المحافظ، الذي تخلى عن أحزابه التقليدية، وتركها تنهار بسبب فسادها وعجزها عن تقديم حلول لمشاكل البلاد الكبرى، كما استقطب فئات أقل من ذلك من اليسار، الذي تراجع بنسبة الثلث لنفس الأسباب. واستقطب كذلك حوالى ثلث الناخبين الأكراد، فضلاً عن استقطابه للقاعدة الإسلامية (حوالى 23%)، عدا نسبة ضئيلة (2%) ذهبت إلى "السعادة". وكل هذه الفئات الواسعة رأت في "العدالة والتنمية" وزعامته الشابة منقذاً للبلاد من كارثة الفساد الاقتصادي، أو من الحرب الأهلية في كردستان، أو من التصادم مع العسكر. وكلها رأت فيه، رغم التباين الثقافي، الأمل في إنقاذ تركيا من الفساد الاقتصادي، بما عرف عن زعمائه من فعالية ونظافة خلال ممارستهم لإدارة البلديات.

ولكن رغم تعدد واختلاف الأوعية التي غرف منها "العدالة والتنمية"، تبقى الرافعة الكبرى التي رفعته إلى السلطة، في انتصار ساحق، على أحزاب وزعامات عريقة، (أحالها دفعة واحدة على المعاش، كما تفعل رياح الخريف مع الأوراق اليابسة، إيذاناً بتجدد شباب السياسة)، هي قاعدة إسلامية، قد وعت بيقين أن التمادي بنفس السياسات والوجوه بزعامة مباشرة أو غير مباشرة لمؤسس الحركة الإسلامية، ليس من شأنه غير استمرار اشتباك غير قابل للتسوية، قد غدا معوقاً لتحقيق المشروع الإسلامي حتى في مطالبه ذات الأولوية من الحرية للشعائر والحجاب والمدارس دينية، لذلك كان لا بدّ من تغيير في الخطاب والوجوه والتكتيكات... فكان العدالة والتنمية، وفي وقفة أمام المشهد التركي، يمكن قراءة ما يلي:

أ- القاعدة الإسلامية التي رفعت أردوغان إلى سدة الوزارة الأولى، تجاوزت نسبتها 22% من أصوات الناخبين، ولم يذهب منها إلى حزب السعادة غير 2%، فأين ذهب البقية إذا لم يكونوا هم غالبية من صوت للعدالة؟

ب- إن أداء الإسلاميين في الحكم لم يكن سلبياً، كما وأنّ إدارتهم للمدن التركية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وأرض روم كانت ممتازة، وهو الأداء الذي جعل من أردوغان نجماً ساطعاً في سماء إسطنبول، لا بشعارات إسلامية هي أصلاً محظورة الاستعمال في تركيا بل ببرامجه وإنجازاته، التي جعلت الماء والكهرباء ووسائل النقل والخبز تصل إلى كل بيت، والطرقات معبدة ونظيفة، وعشرات الالاف من الطلبة يتمتعون بالمنح، وإضافة إلى تأمين فائض في خزائن البلدية، بعد أن كانت مثقلة بديون تبلغ عدة مليارات من الدولارات. وهو ما فرض على النخبة السياسية أن تسلّم أن لا أحد قادر على منافسة الإسلاميين في إدارة شؤون البلديات. كما فرض التسليم بحقيقة أخرى أن رصيد الإسلاميين في الحكم، وحل مشاكل الناس، ليس مجرد شعارات تدغدغ المؤمنين، وتعدهم بالجنة، وتخوّفهم بالنار، على أهمية أثر ذلك لو حصل، وإنما برامج عملية لحل مشكلات معيشية، فشلت أحزاب العلمنة في حلها، بسبب انفصالها عن ضمير الشعب، وما تلوثت به من مفاسد.

ج- إن كل المؤشرات في العالم الإسلامي، وحيثما وجد مسلمون، تشهد على ارتفاع مذهل لنسب التدين، حتى تلك التي طبقت فيها بشراسة ووحشية وتواطؤ دولي ومحلي خطط الاستئصال وتجفيف الينابيع مثل تونس، بسبب ما تعرض له التدين والمتدينون من قهر على يد حكومات قمعية فاسدة، مثل تسلط الدولة في تونس وتركيا، على المؤسسات الدينية، وعلى ضمير المؤمنات بتجريدهنّ من حقهنّ في التعبير عن تدينهن، بحمل رداء التُقى، ما تسبب في طرد الآلاف منهنّ من المدارس، وكبت الملايين وقهرهن وذويهن، وكذا حرمان أصحاب المشروع الإسلامي من حقهم الطبيعي والشرعي في المشاركة في الشؤون العامة، ومنها العمل السياسي، وكبت كل تعبير ديني. وباعتبار أن الدين هو أعمق ما في الضمير الفردي والجمعي لأمتنا، فإن كل مدافع عنه محبوب، وكل عدو له مبغوض، لا سيما والكبت والقمع لكل حر هو شريعة الأنظمة القائمة، ما جعل الهوة تتسع بينها وبين الشعوب.

د- إن حملَةَ رسالة الإسلام اليوم هم في الصف الأول من جبهة الذود عن الأمة وعن دينها في مواجهة الحملات المتصاعدة عليها، والتي لم يتردد الأمريكان في تعليق لافتة الصليب عليها، هذه الهجمة الدولية على الإسلام وأمته من جهة، ولا سيما في فلسطين، والعراق، وما ينهض به الإسلام من أدوار تعبئة وتجنيد للرأي العام، وما قدمته وتقدمه الحركة الإسلامية من نماذج رائعة في الفداء، ونقل الرعب إلى صفوف الأعداء، وتعديل موازين القوى... كل ذلك أسهم في تأجيج المشاعر الدينية في الأمة، بما ضاعف من شعبية الإسلاميين، على حساب الجماعات العلمانية، لا سيما أنّ خنوع الكثير منها وتذللها لقوى القمع في الداخل والخارج... مع فشوّ الفساد في أوساط جماعاتها الحاكمة... تعاضد على تدهور شعبيتها، وتضاؤل وزنها، واتساع الهوة بينها وبين شعوبها. ظهر ذلك في مختلف أرجاء العالم الإسلامي من جاكرتا إلى طنجة، مروراً بإسلام آباد والمنامة ومصر والجزائر وساراييفو وتونس نفسها... ما أدّى إلى اكتساح إسلامي للشارع التركي ظهر في الانتخابات الأخيرة في شكل فوز ساحق للإسلاميين بحوالى ثلاثة أرباع مقاعد البرلمان، وهو تطوّر لا يشكّل ظاهرة شاذة ولا فريدة في الحالة العامة، التي تمر بها الأمة، بل هو من جهة جزء من هذه الحالة العامة، التي تتعرض فيها الأمة لأشد التحديات، فتحتاج إلى تجريد أمضى أسلحتها. وهل وقف في وجه تفوق السلاح الإسرائيلي الساحق غير سلاح الاستشهاد، ورأسماله الإيمان باللّه واليوم الآخر.

على أنّ ما حدث يشكّل من جهة أخرى تواصلاً وامتداداً لمسار طويل بدأه الشعب التركي منذ خمسينيات القرن الماضي، بل منذ قرن في اتجاه اجتذاب الحداثة في إطار الإسلام وتراثه ولخدمته، وذلك في مواجهة الخيار الاخر الذي طرحه الغرب على الأمة، وتبنته كل الأحزاب العلمانية بمختلف تلوناتها، ولا سيما تلك القائمة منها على النمط الماركسي، أو حتى النمط الفرنسي، الذي تأثرت به النخبة الحاكمة في تركيا وفي تونس، وهو النمط الذي لا يرى في الدين، غير كونه عقبة في طريق التقدم، مطلوب إزاحتها، والتفلّت منها بإحدى آليتي «الاجتهاد» العشوائي، أي غير المنضبط بقواعد تفسير النصوص، والإهمال أو الإلغاء جملة، توصلاً إلى إحالة المسألة الدينية إلى زاوية الخصوصيات الفردية، ثم تنظيم الحياة بمعزل عنها، بل على النقيض من تعاليمها، بما يفضي نهاية إلى انتزاعها من تلك الزاوية نفسها، وإحالتها إلى سلة المهملات، إذ طبيعة الحياة لا تتحمل في النهاية غير سلم أعلى واحد من القيم: إما أن تكون مرجعيته العليا الوحي، بحيث تتعايش في ظلّه الأقليات وتتواءم معه، وتسالمه، على نحو أو آخر، أو أن تكون مرجعيته أرضية، فتستقل بتنظيم المجال العام، وتفرض على الآخرين الانزواء إلى المجال الخاص.

ولأن مشروع التقدم على طريق التقليد للغرب، والنظر إلى ديننا وحضارتنا وتاريخنا، ومكانة الإسلام القيادية فيهما، من الزاوية الغربية، قد فشلا فشلاً ذريعاً في أن ينجزا أي شي‏ء، مما وعدا به من ازدهار اقتصادي، وتقدم حضاري، وعزة قومية، وعدل وحرية، فضلاً عن تحرير فلسطين، وتوحيد الأمة، وتركيا مثل في الخيبة، حتى إن وحدتها القومية باتت مهددة بالتمزق، بسبب تمزيق الخيط الناظم لشعوبها: الإسلام، وإحلال نزعة شوفينية متغربة بدله، عزلت تركيا عن محيطها العربي الإسلامي، وزجت بها في حرب أهلية مدمّرة مع المكونات العرقية والثقافية غير التركية مثل الأكراد، الذين لم يسمع أحد بمشكل معهم لا في تركيا ولا في العراق خلال تاريخ طويل من الحكم الإسلامي، قبل ظهور النزاعات القومية، ولذلك لا عجب أن صوّت الأكراد بكثافة لصالح إسلاميي حزب العدالة.

إذن، فليس في ما حققه هؤلاء من فوز ساحق أي أمر مستغرب، باعتبارهم غدوا رمزاً للتديّن، ولنظافة اليد، والقرب من الناس، والتفان في خدمتهم، والدفاع عن الهوية الإسلامية للبلد... إنهم التواصل وحاملي مشروع التصالح بين تركيا وهويتها الإسلامية... بين حاضرها وماضيها... بين إسلامها وحركتها الإسلامية من جهة، وبين عصرها وقوميتها وعلمانيتها من جهة أخرى. إنّهم الطموح لمواجهة التحديات الكبرى، التي تواجهها تركيا والعالم الإسلامي، واستجابة تتشكل من مزيج مركب بين الإسلام والحداثة... بين الإسلام والديمقراطية.

ما هو الإستراتيجي وما هو الظرفي في هذه الاستجابة؟

إن الحركة الإسلامية التركية التي أسسها البروفسور نجم الدين أربكان، في صيغها المختلفة، التي برزت بها إلى الساحة، وآخرها حزبا «السعادة» بقيادة طوقان، و«العدالة والتنمية» بزعامة رجب الطيب أردوغان، قد غلبت عليها الروح العملية، ولم يعرف لها جهد في مجال الإنتاج الفكري: فمؤسس الحركة مهندس يحسن لغة الأرقام والتخطيط، وقد طبع التيار بطابعه، وللمهندسين دور قيادي بارز في الحركة الإسلامية المعاصرة بديلاً عن المشايخ. أما غذاؤهم الفكري فمستمد في أصله من فكر الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في الباكستان وحركة النهضة التونسية، عبر الترجمات السريعة، التي برعوا فيها، لكل ما يصدر في ساحة الفكر الإسلامي، مضافاً إليه ثلث قرن من العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مناخ علني مفتوح، وهو ما يميز الإسلاميين الأتراك والماليزيين عن أمثالهم من العرب.

إن غلبة الروح العملية على المجادلات النظرية الأيديولوجية جعل حركة التطور لديهم يسيرة، مكتفين في المجال الأيديولوجي بالمتابعة الدقيقة لكلّ ما يصدر في العالم الإسلامي، عبر الترجمة السريعة، عن مفكري الحركة الإسلامية، ولا سيما الجيل الجديد، ما دفعهم إلى تركيز جهدهم على تأصيل فكر الحداثة في الساحة الإسلامية من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني، مع صبغة صوفية هي من تراث البلد. وهذه حقيقة يعرفها كل من له صلة بحثية جادة، أو معاشرة مباشرة للحركة الإسلامية في تركيا، الأمر الذي يفرض وضع ما رفعه زعماء حزب "العدالة والتنمية" من شعارات في حملاتهم الانتخابية، التي قادتهم إلى فوز ساحق في ظروفها المحددة، وذلك من قبيل الإعلان مثلاً بأن «العدالة والتنمية» ليس حزباً دينياً، أو أنه ليس حركة إسلامية، أو التأكيد على التوافق بين الإسلام والعلمانية، وفي الاقتصاد إلباسها كساء أيديولوجياً فضفاضاً يتجاوز مسلمات الفكر الإسلامي المعروفة في الساحة الإسلامية، والتي نشأ عليها مؤسسو حزب العدالة.

إن استصحاب تلك المسلمات هو الموقف العلمي الرصين، بعيداً عن الجري وراء الأماني، كما هو حال التصفيق المشبوه من طرف بعض غلاة العلمانية المتذاكين لفوز التنمية والعدالة، باعتباره نصراً للعلمانية، وهزيمة للإسلام السياسي!! أو حال تلك الأقلام التي تجاوزت الرصانة العلمية وهي المعروفة عادة بالرصانة في التحليل والاستنتاج، إذ ذهبت إلى وصف أيديولوجية العدالة والتنمية بالعلمانية المؤمنة، وذلك دون استناد إلى أي نص قد صدر قديماً أو حديثاً عن خريج معاهد الأئمة والخطباء حامل كتاب اللّه رجب الطيب أردوغان، زعيم الحزب، الذي كان لتوه قد خرج من السجن بتهمة النيل من العلمانية، لمّا أورده في خطبة له من أبيات لجلال الدين الرومي، يؤكد فيها أن المصاحف أسلحتنا، والمساجد ثكناتنا، والمآذن مدافعنا.

والحركة الإسلامية إنما قامت منذ ابتُليت الأمة بالاحتلال الغربي وما صاحبه من غزو فكري، استهدف إقصاء الإسلام عن الحياة الدستورية للمسلمين ومن توجيه تصوراتهم الفلسفية وقيمهم ونظم حياتهم أي علمنة الإسلام. وذلك رغم انعدام الحاجة في الإسلام لمثل بعض الأدوار الإيجابية، التي قامت بها العلمنة في الغرب، مثل محاولة تحرير الدين من سلطان رجال الدين، من أجل فتح الباب أمام المؤمن ليقيم علاقة مع ربه، من دون واسطة، وليتعامل مع النصوص المقدسة من دون وصاية لأي مجتهد. وهو معنى ثابت في ديننا. وهو تحرير العقل من كل وصاية، وفسح المجال أمامه ليرتاد أي مجال، من دون حواجز ولا قيود من خارجه، والثقة في قدرته على المعرفة. بينما كانت الكنيسة لا ترى للمعرفة من طريق غير الكتاب المقدس، وهذا المعن