تثير المواقف الأمريكية والأوروبية المتكاثرة، المهددة بعدم
الاعتراف بحكومة فلسطينية تقودها حركة المقاومة الإسلامية "حماس"
أو تشارك فيها، والتهديد بتجويع الفلسطينيين، إن صوتوا لصالح حركة
"حماس"، وهي المواقف التي تأتي تجاوبا مع الضغوط الإسرائيلية على
الشعب الفلسطيني، في محاولة واضحة للتأثير على الناخب الفلسطيني،
الذي سيصوت اليوم لاختيار مجلس تشريعي جديد، مكون من 132 عضوا،
ريبة الكثير من المراقبين العرب.
ويرى هؤلاء أن الشعوب العربية تعودت أن
تتلقى "محاضرات" من مسؤولين أمريكيين وأوروبيين كثر، وخاصة
منذ انبثاق مشروع الشرق الأوسط الكبير، في طبعته الأمريكية، في
ضرورة تحول المنطقة العربية إلى نظام ديمقراطي، وضرورة الإصلاح
السياسي، بما ينتهي إلى انحسار هيمنة الأنظمة الدكتاتورية، وانطلاق
عهد الإصغاء لصوت الجمهور، لتقرر مصيره
بأيديه، بدلا من أن تحتكر حكمه وخيراته نخب معزولة.
ويرى المراقبون أن
الخطاب الغربي عن الديمقراطية
واختيار الشعوب، يتصادم بشكل مكشوف
مع الممارسة السياسية الغربية. ويتجلى ذلك بشكل صارخ في الحالة
الفلسطينية، حيث يتخذ الخطاب الديمقراطي أداة للحجر على الشعب
الفلسطيني، ومنعه من التصويت الحر، واختيار من يراه مناسبا من
أبنائه لتمثيله في البرلمان. كما تستغل حاجة الشعب الفلسطيني للدعم
الاقتصادي الخارجي لتهديد هذا الشعب بالتجويع، إن هو اختار شخصيات
أو كيانات سياسية، لا ترضى عنها تل أبيب ولا واشنطن، ولا بعض عواصم
القرار الأوروبي.
* مسار متعرج متناقض
ويستحضر العديد من المراقبين أن الإدارة الأمريكية قد غيرت سياستها
في الشرق الأوسط، إثر أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001،
باتجاه الضغط على حلفائها من الحكومات
العربية والمسلمة، لإدخال بعض الإصلاحات
في النظم السياسية، لتوسيع مجال المشاركة، من أجل استيعاب
المجموعات الراديكالية، ومنها التيارات الإسلامية في العملية
السياسية، لتجنب الانزلاقات، التي أدت إلى
ظهور تنظيم القاعدة والعمليات الانتحارية في كل من نيويورك
وواشنطن، وبعض العواصم الغربية مثل لندن ومدريد.
وفي سياق هذا الموقف
الاستراتيجي، جاء الدعم الأمريكي لإجراء الانتخابات التشريعية
الفلسطينية في موعدها، بمشاركة سكان القدس الشرقية، الذين تمنت بعض
الأصوات في السلطة الفلسطينية أن تكون عرقلة مشاركتهم من قبل
الإسرائيليين، سببا لإلغاء إجراء الانتخابات.
ولا يمثل هذا الموقف
الاستراتيجي الجديد القائم على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط،
وفق الشروط الأمريكية، حسب البعض، السبب الوحيد وراء الموقف
الأمريكي، وإنما يشيرون أيضا إلى المأزق
الأمريكي في العراق، الذي يجب من المنظور الأمريكي أن
يتقابل عكسيا مع الحالة الفلسطينية.
فبقدر تعثر المخطط
الأمريكي في بلاد الرافدين يجب تخفيف حدة التوتر في المنطقة بمزيد
من الاهتمام بالشأن الفلسطيني، وهي الفكرة التي اجتهد طوني بلير
رئيس الوزراء البريطاني في إقناع الإدارة الأمريكية بها، منذ بداية
احتلال العراق.
بالإضافة إلى كل ذلك
يرى المراقبون للشأن الفلسطيني أن الانتخابات الفلسطينية ستكون
تتمة للانتخابات الأولى، التي أضفت الشرعية عن قيادة محمود عباس (أبو
مازن)، الذي يظل بحسب مصادر في الإدارة الأمريكية بحاجة إلى قيادات
شابة ومنتخبة، تتجاوز مخلفات الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات،
التي كبلت حركة الرئيس عباس، وارتبط بعضها بملفات الفساد.
والمشكل الرئيسي بالنسبة للأمريكيين،
حسب المراقبين، هو مشاركة تيارات المقاومة في الانتخابات، واحتمال
فوزها بعدد هام من المقاعد، وهو ما حذرت منه إسرائيل وبعض الأصوات
في السلطة الفلسطينية. ولعل هذا الاحتمال بات مؤكدا مع اقتراب موعد
الانتخابات، وما كشفته نتائج استطلاعات الرأي الحديثة، التي تقدر
فوز حركة "حماس" بنسبة تتجاوز 30 في
المائة، وقد تصل وفق بعض التقديرات إلى أكثر من ذلك بكثير، وانتقل
الحديث في الأوساط السياسية من المشاركة البرلمانية لحماس إلى
المشاركة في الحكومة المقبلة.
ولكن البعض يعتقد بأن
الهدف الرئيسي للإدارة الأمريكية من
إجراء الانتخابات، في ظل المشاركة الفاعلة لحماس، واحتمال فوزها
بمقاعد كثيرة في المجلس التشريعي، هو بالأساس تطويع الحركة
المقاومة، ودفعها لاستبدال سلاح المقاومة
بالمشاركة في العملية السياسية، على أساس اتفاقات أوسلو،
وتحت زعامة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
ويستذكر المراقبون أن
عباس أكد أن سياسة الحكومة المقبلة، بغض النظر عن تشكيلتها، تقوم
على أساس اتفاقات أوسلو، وتحت سقف التسويات السياسية، وأنه "سيقاتل
من أجل ذلك" على حد تعبيره.
وتعتقد جهات في
الإدارة الأمريكية أن مشاركة "حماس"
في الانتخابات يمثل الخطوة الأولى في طريق
اعترافها بأوسلو ومتطلباتها، فهذه المشاركة تتم في ظل وضع
قائم على أساس هذه الاتفاقات، ولذلك عمد بعض مرشحي حركة "فتح"
لمطالبة "حماس" بالاعتذار عن عدم مشاركتها في الانتخابات الأولى
عام 1996، وما صحب ذلك من قدح في السلطة ورموزها.
وتقول كونداليزا رايس
وزيرة الخارجية الأمريكية عن الانتخابات الفلسطينية إن "إجراء
انتخابات حرة ونزيهة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني،
تمثل خطوة رئيسة في عملية بناء دولة فلسطينية مسالمة وديمقراطية".
لكن سقف الانتخابات بالنسبة للإدارة الأمريكية، كما يقول البعض،
يجب أن لا يتعدى الحضور الرمزي لحماس في المجلس التشريعي، لتحقيق
هدفين رئيسين
أولهما دفع هذه الحركة للمشاركة في العملية السياسية، بما
يؤدي إلى تغيير في خطها السياسي
وثانيهما تشديد المراقبة على إدارة "فتح"، ومقاومة الفساد
المالي، الذي يمثل عائقا أمام الدول المانحة لتنفيذ تعهداتها بدعم
السلطة.
وبالتالي ليس المطلوب
أمريكيا عملية إصلاح حقيقية، والتسليم بنتائج العملية الديمقراطية،
وإنما تثبيت الأمر الواقع، ومواجهة التغيير، والتدخل السافر في
العملية الانتخابية إن لزم الأمر، للحيلولة دون أن تفرز صناديق
الاقتراع فوزا كاسحا لمرشحي "حماس"، وتشكيل أغلبية في البرلمان
القادم.
وفي هذا السياق تأتي
المنحة الأمريكية لحركة "فتح" لمساعدتها في حملتها الانتخابية،
التي بلغت مليوني دولار، حسب ما
أفادت به صحيفة /واشنطن بوست/ الأمريكية، بالإضافة إلى سماح سلطة
الاحتلال الإسرائيلي للسجين مروان البرغوثي
بإجراء حوار تلفزي مباشر، دون الانتباه كما يقول البعض إلى أن مشهد
البرغوثي في سجنه يمثل نقطة الالتقاء بين مشروعي فتح وحماس، ولذلك
ركز البرغوثي في حديثه على نضالية "فتح" وسبقها في مشروع المقاومة.
واستباقا لكل النتائج
قالت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس "
إن الجماعات المسلحة ليس لها مكان في
العملية الديمقراطية. وإنه ينبغي أن لا يكون هناك مكان في العملية
السياسية لجماعات أو أفراد، ممن يرفضون نبذ الإرهاب والعنف،
والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، كما يرفضون التخلي عن السلاح".
من جهته حذر مرشح "فتح"
محمد دحلان من احتمال فوز "حماس"
بالقول "إن الشعب الفلسطيني سيدخل في حالة
جمود مظلم ومجهول، طوال الفترة المقبلة للمجلس التشريعي،
إذا ما فازت حركة حماس في الانتخابات،
لأنها لا تستطيع تلبية متطلبات الشعب، وتوفير الدعم الدولي للقضية
الفلسطينية".
كما صرحت مصادر
سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى بأن الإدارة الأمريكية أبلغت رسميا
الحكومة الإسرائيلية رفضها الاعتراف
بأي حكومة فلسطينية برئاسة "حماس" أو تشارك فيها حركة المقاومة
الإسلامية.
كل هذه المواقف والتصريحات تعطي، حسب
المراقبين، الانطباع للناخب الفلسطيني،
بأن فوز "حماس" يعني نهاية الحوار مع المجتمع الدولي، مثلما يعني
تجويع الفلسطينيين. وكما أفرز مثل هذا الضغط فوزا ساحقا في الماضي
للرئيس عباس، على اعتبار أنه الشخص الوحيد المقبول دوليا للتفاوض،
فإن المأمول دوليا من هذا الضغط اليوم أن يرشح حركة "فتح" لفوز
كبير بمقاعد المجلس التشريعي، وتشكيل الحكومة، باعتبارها الطرف
الوحيد المقبول دوليا للتفاوض، وتلك هي الديمقراطية التي يبشر بها
المشروع الأمريكي لدول المنطقة، التي تجعل الاختيار محصورا في جهة
واحدة مرضي عنها دوليا، كما يقول بعض المراقبين
********