العباءة الدينية من أردوغان إلى الإخوان
فراج إسماعيل - العربية
 
في عام 1994 دعاني صديقي الاسلامي التركي الشيخ صالح أوزجان لزيارة عمدة اسطنبول في مكتبه.


كنت أعرف أن هذا العمدة أو المحافظ هو قيادي بارز في حزب الرفاه بزعامة الدكتور نجم الدين اربكان، وان الكثيرين يعتبرونه اسلاميا متشددا ورغم ذلك وصل الى مقعد الحكم لهذه المدينة المهمة والكبيرة في تركيا.


اوزجان هو اسلامي معتدل، بعيد عن السياسة وإن كان لعب دورا مهما في انشاء منظمة المؤتمر الاسلامي عندما كان قريبا من الملك فيصل بن عبد العزيز عليه رحمة الله.
وبالتالي لم أفكر للحظة واحدة في أنه بهذه الدعوة يقوم بعمل دعائي لهذا الرجل الذي واجه حربا شعواء من العلمانية التركية الشديدة البأس والقوية الجذور لابعاده عن ممارسة أي عمل تنفيذي بدواعي أنه "متطرف" في أفكاره الاسلامية، وأنه يميل إلى خصم الآخر من أية معادلة في الحكم أو في المجتمع. وقد نجحوا في ذلك بعد زيارتي له بأربع سنوات، أي في عام 1998 عندما ألقى في حفل علني قصيدة اعتبروها محرضة على الكراهية الدينية.


يومها تمت محاكمته قضائيا وعوقب بالسجن عشرة شهور قضى منها أربعة، وحظر عليه الترشح في الانتخابات أو شغل المناصب السياسية.

في مكتبه بمبنى بلدية اسطنبول قضيت مع رجب طيب أردوغان قرابة الساعة، خرجت منها في غاية الاندهاش من هذه الحملات الاعلامية التي يتعرض لها!
ألبسوه عباءة دينية، لكنه ذكرني بالأفندية المصريين في الماضي، ببساطة بدلته رغم أناقتها الشديدة، وحرصه على التأنق في ربطة عنقه والتأكد بين الحين والآخر من أنها في وضعها السليم، رغم أن الجلسة كانت تلقائية في اسئلتها واجاباتها، حتى أنني عندما نشرت ذلك اللقاء في جريدة "المسلمون" الدولية التي كانت تصدر عن الشركة السعودية للأبحاث والنشر، احترت كثيرا في اختيار المحور الذي انطلق منه وأركز عليه في صياغة الحوار.

المهم أن أردوغان وهو متخصص في الادارة من جامعة مرمرة، استطاع خلال شهور قليلة احراز ناجح باهر في ادارة اكثر المدن العالمية ضجيجا ومشاكل، وحولها إلى مدينة نظيفة منسقة، بأسلوب هادئ لا تطرف فيه ولا تشدد.
هنا أذكر أنني سألته عن أسلوب تعامله مع البغاء المرخص في اسطنبول، وكان الجميع يتوقع قرارا حاسما يماثل ذلك الذي اتخذته حكومة حزب الوفد في ثلاثينيات القرن الماضي بالغاء البغاء في مصر.


يومها صمت برهة، ربما لأنه كان قد قرأ وتابع مخاوف كثيرة بشأن وصوله الى هذا المنصب التنفيذي الكبير، ويدرك أن الكثيرين يعدون عليه خطواته وكلماته، وزلات لسانه عملا بحكمة أن الطبع يغلب التطبع!


ثم باغتني متسائلا: ما الذي يجعل مثل هؤلاء الباغيات يسلكن عملا وضيعا مثل هذا.. أليست الحاجة إلى العمل من أجل رغيف الخبز؟!


وحصل بعد ذلك أن قرأنا عن اعتزال اختياري وجماعي للباغيات في اسطنبول وتحول الحي الذي كان مشهورا بهن إلى حي نظيف.. فقد تم توفير فرص رزق شريفة أمامهن، فمثلا عندما حصل البعض منهن على وظائف في كناسة الشوارع فضلنها على عملهن الوضيع السابق!

ظل أردوغان يتحدث عكس التيار أو يغرد خارج السرب، فطوال توليه لمنصبه، كانت الحملات العلمانية تتخوف من الاسلام السياسي الذي يحمله، فيظهر خطابه أنه رجل محافظ ليبرالي أكثر من عتاة الليبراليين.


ومع كل مرونة يبديها كانت الحملات تشتد عليه، فهو في نظرهم يتمسكن حتى يتمكن، وأنه فقط يعيد صياغة صورته، فاذا ما قبض على الحكم سيظهر أنياب الاسلام السياسي المتشددة!

عام 1998 تم حظر حزب الرفاه، فاعتقد الكثيرون أن فرصة الفارس الاسلامي المتمسكن في اعتلاء الحكم قد انتهت الى غير رجعة، خاصة أنه اقتيد بعد ذلك إلى السجن بسبب قصيدة تقترب من أدبيات الاخوان المسلمين يقول مطلعها "المساجد ثكناتنا والقباب جنودنا والمآذن حرابنا والمؤمنون جنودنا".


وينجح الاسلاميون في تأسيس حزب بديل للرفاه اسموه حزب العدالة والتنمية، ويصبح أردوغان زعيمه بعد أن انتهى الحظر المفروض عليه في الترشح للانتخابات أو شغل المناصب السياسية بسبب سجله الجنائي.

أردوغان وصل فيما بعد عن طريق صندوق الانتخابات إلى قمة الحكم في تركيا. أصبح رئيسا للحكومة وسط احتجاجات شديدة طلبت تدخل الجيش كما كان يحصل في الماضي لحماية العلمانية التي أرساها أتا تورك.


وكتب في الغرب والشرق على السواء أن الدولة الدينية وصلت الى حكم تركيا، وأن أردوغان ما هو إلا نسخة مخبأة لزعيمه نجم الدين اربكان.


لكنه لم يكن كذلك.. بل انتهج نسخة جديدة متجددة من الاسلام السياسي. مد يده إلى كل القوى والفعاليات. لم يفرض الحجاب كما توقع خصومه وغير تماما من نهج الحزب الاسلامي المحظور "الرفاه" بخصوص هذه الجزئية.

سئل: هل ستفرض حكومتك الحجاب في المكاتب الحكومية ؟!!
فأجاب بالنفي، وأن قضية اللباس هي حرية شخصية.
فسئل: هل تذهب الى حفل فيه سافرات؟!!
فقال: ولم لا؟ّ
وعندما سئل: هل توافق أن تذهب زوجتك معك بدون حجاب ؟!!
أجاب بذكاء شديد: لن أخذها معي، سأتركها في البيت!

مرونة أردوغان لم يسبقه إليها أحد في حكم تركيا حتى غلاة العلمانيين، فهذا الذي كان يوصف بالاسلامي المتشدد أقام علاقة متميزة بين حكومته وبين اسرائيل، وقام بزيارتها وألقى هناك كلمات ودية للغاية!


قدم كثيرا من التنازلات من أجل انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، وقام بعملية تنظيف مركزة لسجل حقوق الانسان في بلاده ودفع بها خطوات في طريق الديمقراطية والاصلاحات السياسية.


لقد تمكن أردوغان من الحكم لكنه لم يتحول الى ديكتاتور ناسف لصندوق الانتخابات وللديمقراطية، وهي الحجة التي يتخوف منها الرافضون لوصول الاسلاميين الى الحكم.
لننظر الآن الى الوضع في تركيا.. لا توجد ثقافة تطرف، ولا رفض للآخر ولا انتقاص من حقوق أية فئة على أساس الدين أو التحزب.

أردت أن أضرب هذا المثل برجل عرفته عن قرب، لأن حالة مماثلة تقترب كثيرا من ساحة الحكم في دولة عربية مهمة هي مصر، تواجه نفس الاتهامات بالتمسكن واظهار الخطاب المحافظ على غير ما يبطنون!


لقد سألت شخصية قبطية مرموقة عن سبب مخاوفهم من الاخوان رغم أنهم يظهرون تعاطفا شديدا مع مشاكل القبط ويتطلعون لحلها، وان الحزب الحاكم لم يكن كريما معهم ولم يرشح سوى اثنين فقط في الانتخابات البرلمانية على قوائمه تحت مبرر انعدام فرص الفوز للاقباط.


إنها فزاعة "الاسلاميين" على حد تعبير صديقي الدكتور سعد الدين ابراهيم استاذ الاجتماع السياسي الشهير ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية، ترفعها الحكومة لتبطئ سرعة الاصلاح السياسي والايحاء بأن الاسلاميين لو وصلوا الى الحكم سيتصادمون مع المجتمع المدني وسيخضعون مصر للحكم الديني.

هذه الشخصية القبطية المثقفة والعلمانية تصر على انها ليست فزاعة وانما مخاوف حقيقية، وأنه من المستحيل تكرار حالة حزب العدالة والتنمية في مصر، لأن تركيا محروسة بالجيش الذي يتولى حراسة العلمانية ويمكنه التدخل في الوقت المناسب إذا حصل ما ينال منها.
لكنه لم يقل لي: ما هو الحل.. كيف نمنع صعود الاسلاميين بالانتخابات، ولماذا نجعل الديمقراطية حراما عليهم حلالا على ما سواهم!


في يقيني أن الاخوان المسلمين الآن ليسوا هم الاخوان قبل عدة سنوات. إن عبارة التيار الديني التي وصفوا بها اعلاميا أيام الانتخابات، كانت عبارة خبيثة يراد بها باطل.



الاخوان لا يمثلون تيارا دينيا، فلا قياداتهم كذلك.. ولا أسلوب العمل داخل هذه الجماعة المنظمة والمركزة. بالمناسبة أنا متابع لها منذ سنوات طويلة ولا أحمل أيا من توجهاتها ولا منتميا لها، بل هاجمتها كثيرا في السنوات الماضية بسبب ما كنت أراه من ديكتاتورية وسيطرة من الحرس القديم على صناعة القرار، ومحاربة التجديد والعناصر الشابة.


لكنهم بالفعل تغيروا.. في الواجهة قيادات لا تختلف عن أردوغان ولا تقل عنه، لا يختلف اثنان على أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور عصام العريان شخصيتان عصريتان مدنيتان بعيدتان تماما عن العباءة الدينية.


إن زيارة وفد اخواني للأديب الكبير نجيب محفوظ على سبيل المثال، والمطالبة برفع الحظر عن كتابه ذائع الصيت "أولاد حارتنا" حدث غير عادي لا يصب أبدا في اطار اعادة صياغة الصورة، بل تنم على أن تغيرا كبيرا قد حدث، فهذه سعة أفق لم تسبقهم إليه أكثر وزارات الثقافة انفتاحا في التاريخ المصري الحديث.

من الظلم عدم اعطاء الفرصة لهؤلاء الذين يتمتعون بشعبية هائلة وقدرة تنظيمية خارقة وترتيب ذهني رغم كل الأزمات والضربات التي تعرضوا ويتعرضون لها.
والمدهش أننا نغمض أعيننا عن تطور كبير للاسلاميين ككل، حتى لتلك الجماعات التي توصف بالراديكالية مثل الجماعة الاسلامية المصرية وجماعة الجهاد.
إن الخطاب الاسلامي الجديد السائد في مصر هو ابعاد العباءة الدينية عن الحكم، والحوار مع جميع الأطياف، واعادة صياغة العلاقة مع الأقباط على أساس المشاركة والأخوة والمواطنة وليس الدين.


إن هذا الخطاب يقول الآن وبوضوح إن من حق المسيحيين بناء كنائسهم وترميمها بمحض ارادتهم كما هو حق لاخوانهم المسلمين مع مساجدهم، بل إن هذا الخطاب وصل إلى درجة القول بعدم تطبيق أحكام الردة على من يتنصر من المسلمين في اطار أن العقيدة حرية شخصية من أساسيات حقوق الانسان.

لا يجوز أبدا الافتئات على هذا التغيير والنظر فقط إلى أن هنالك باطنا يكتمونه


********


اردوغان .. بائع الليمون الذي يراقبه الجميع
تركيا


 

 



 


 

 

 

 

 

 

 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter