
التوتر بين مصر وحماس.. مظاهر وأسباب
غزة- صالح النعامي – الاسلام اليوم
-------------
مظاهر التوتر في العلاقة بين حركة حماس والنظام المصري أصبحت أوضح من
كل المحاولات لإخفائها، وتجاهل أبعادها وتداعياتها. صحيح أن هذه
العلاقة لم تكن يومًا على النحو الذي من المفترض أن تكون عليه العلاقة
بين حركة مقاومة فلسطينية والنظام الحاكم في الدولة التي هي الأكبر
والأكثر أهمية في العالم العربي، لكن التدهور الحاصل في هذه العلاقة
بات ينذر بعواقب وخيمة قد يدفع ثمنها الجانبان.
وتمثلت
مظاهر التوتر في الاعتقالات
التي شنتها الأجهزة الأمنية المصرية ضد نشطاء حركة حماس، الذين تواجدوا
في سيناء بعد انهيار الحدود بين غزة ومصر، فضلاً عن تواتر الشهادات
التي تؤكد تعرض المعتقلين، ليس فقط لعمليات تعذيب وحشية لم تقدم عليها
حتى سلطات الاحتلال، بل إن طابع الأسئلة التي وجهها محققو الأجهزة
الأمنية المصرية للمعتقلين
تثير الكثير من علامات الاستفهام،
فأي مصلحة لمصر في محاولة الحصول على معلومات من المعتقلين حول مكان
تواجد الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليت؟ وتحركات رئيس الوزراء
الفلسطيني إسماعيل هنية في ساعات الطوارئ والتوتر الأمني؟!!.
-
كما أن
الحملات الإعلامية
التي تشنها وسائل الإعلام الممولة من الدولة المصرية على حماس، وصلت
إلى حد التشكيك في مجرد وجود حصار على قطاع غزة وتحيز الحكم المصري
بشكل واضح
لحركة فتح،
وتحول القاهرة إلى نقطة انطلاق لعمل مجموعات في فتح تتبع تيار محمد
دحلان المرتبط بإسرائيل وأمريكا ضد حكومة حركة حماس؛
فقد دلت التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية في غزة مع مجموعات حركة
فتح التي تم إلقاء القبض عليها بتهمة التخطيط لاغتيال هنية وقادة حركة
حماس أنها تلقت التعليمات من بعض قيادات فتح الهاربة والمقيمة حاليًا
في القاهرة. وعلى الرغم من أن حماس قد وضعت الأجهزة الأمنية المصرية
في صورة هذه المخططات، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء لمواجهة هذه
المجموعات.
-
كما أن
تحيز الحكم في مصر سياسيًا لحركة فتح
أصبح أوضح من أي وقت مضى؛ ففي الوقت الذي تتعمد فيه مصر حصر العلاقة مع
حماس في الجانب الأمني من خلال إقامة قناة الاتصال معها من خلال جهاز
المخابرات العامة برئاسة عمر سليمان، فإن اللقاءات مع مسئولي حركة فتح
تأخذ الطابع السياسي، حيث يحظى قادة فتح باستقبال كل المستويات
السياسية في القاهرة.
وفي الحقيقة أن هناك سببين جوهريين يكمنان وراء السلوك المصري تجاه
حركة حماس، وهما:
1- تعامل
النظام المصري مع حركة حماس كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين
في مصر، وبالتالي فإن النظام غير معني بنجاح تجربة حكم حماس في غزة،
ظنًا منه أن هذا النجاح ستستفيد منه جماعة الإخوان في مصر وتوظفه في
تحسين ظروف عملها السياسي. وقد أبدى النظام أكبر درجات الحساسية إزاء
لقاءات عرضية عقدها بعض وزراء حكومة هنية ونواب حماس في المجلس
التشريعي مع بعض قادة الإخوان أثناء زياراتهم المتكررة للقاهرة، وهو ما
ردت عليه القاهرة بفرض قيود مشددة ومهينة على تحركات قيادات حركة حماس
عبر الحدود المصرية. التوتر الداخلي في مصر في أعقاب إضراب العمال
وغيرها من مظاهر احتجاجية لم يدفع النظام في القاهرة، إلا لمزيد من
الحساسية في التعامل مع حماس. وللأسف الشديد فإن ما أدركه نظام الحكم
في سوريا الذي يناصب جماعة الإخوان العداء الشديد لم يدركه النظام في
مصر، حيث إن دمشق أقامت علاقات وثيقة مع حماس، لأنها وعت أن حماس
تتعامل كحركة تحرر وطني وليس كمجرد أحد امتدادات الإخوان، وبالتالي فهي
تقيم تحالفاتها السياسية بناءً على مدى خدمتها لهدف التحرر الوطني
الفلسطيني، وليس على أساس اعتبارات الجماعة الأم.
2- انطلاق
النظام المصري من افتراض مفاده
أن حركة حماس جزء من المحور الإيراني في المنطقة. وقد وجد هذا الفهم
المصري تعبيره في التصريحات التي أدلى بها مؤخرًا الرئيس مبارك، والتي
قال فيها: إن إيران تتمركز على الحدود الشمالية لمصر. قد يكون الرئيس
مبارك في قرارة نفسه غير مقتنع بما قاله، على اعتبار أن إحدى محاولات
الأنظمة العربية في إقناع الإدارة الأمريكية بدورها الوظيفي يتمثل في
إبراز عدائها لإيران، لكن هذا المنحى غير موضوعي وغير منصف. وعلى كل
الأحوال، فإن معاقبة حماس على علاقتها بإيران قمة في الإجحاف؛ فليس من
حق حماس فقط، بل من واجبها، محاولة تعزيز علاقتها مع أكبر عدد من القوى
الإقليمية العربية والإسلامية والعالمية بما يساعدها على استكمال مشروع
التحرير. وليس من المعقول أن تصمت مصر على الحصار الظالم الذي يفترس
الحياة في غزة، وتوصد أبوابها أمام حماس، وفي نفس الوقت تلوم حماس على
إقامة علاقات مع إيران. وإن لم يكن هناك مجال للمقارنة، فإنه من حق
حماس إقامة علاقات مع إيران، كما ترى بعض الدول العربية أن من حقها
إقامة علاقات مع واشنطن وتل أبيب.
قصارى
القول أن أي نظام حكم عربي
ينطلق من افتراض مفاده أن من مصلحته الدفع نحو إفشال تجربة حماس في
غزة، وأنه قادر على ذلك،
مخطئ بكل
تأكيد؛
فمن الواضح أن سنين طويلة ستمضي وحركة حماس تواصل الحكم في غزة؛ لأن
الأطراف الفلسطينية التي تروق للأنظمة العربية فقدت ثقة الشعب
الفلسطيني،
ولن يسمح
الشعب الفلسطيني بعودتها للحكم.
-
بكل تأكيد
فإن بقاء العلاقة بين مصر وحماس
على طابعها الحالي لن يتضرر منه الشعب الفلسطيني وحماس، بل مصر أيضًا.
هناك العديد من الدلائل على حرص حماس على الأمن القومي المصري،
وإبدائها حساسية بالغة من أجل عدم إغضاب النظام في القاهرة، لكن حشر
حماس في الزاوية من خلال التواطؤ في فرض الحصار تارة، وتارة من خلال
التعاون مع خصومها السياسيين، قد يؤدي إلى نتائج سلبية ليس بالضرورة أن
ينحصر تأثيرها على غزة وحدها.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤