
إخوان مصر.. ماذا بعد المحاكمات العسكرية؟
د. ليلى بيومي- الاسلام اليوم
--------
ربما تؤسس الأحكام التي أصدرتها مؤخرًا محكمة عسكرية مصرية ضد 35
قياديًا وعضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، لمرحلة جديدة في العلاقة
بين الجماعة والدولة المصرية.
النظام السياسي المصري منذ ثورة يوليو عام 1952م، وهو في حالة صراع
وتصادم وقلق من الجماعة. قد تهدأ العلاقة نسبيًا، وقد يتصاعد الصراع
قليلاً، لكن المعادلة التي تحكم هذه العلاقة هي الريبة والتوجس وعدم
الثقة بين الطرفين. لكن الذي حدث خلال السنوات الماضية، أفزع الدولة
المصرية، وأثار قلقها ومخاوفها؛ خشية أن تنهار أركان الدولة بفعل هذه
الجماعة، فالنظام السياسي يدرك أنه وصل إلى أضعف مستوًى له منذ عام
1981، بل هو أسوأ وضع تصل إليه الدولة المصرية منذ ثورة يوليو 1952.
فشل في صالح الإخوان!
فشلت كل خطط الدولة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية؛ فمستوى
التعليم في قمة التدهور، ومجانية التعليم أصبحت شعارًا بلا مضمون ولا
حقيقة، بعد أن انتشرت مدارس اللغات الخاصة والأجنبية، وكذلك الجامعات
الخاصة، على نطاق واسع في المجتمع، في الوقت الذي تردّى فيه مستوى
المؤسسات التعليمية الحكومية.
وما يقال عن التعليم يقال عن قطاع الصحة، فلولا المستوصفات الأهلية،
والملحقة بالمساجد، لزاد الوضع سوءًا، في ظل شبه انعدام للخدمات الصحية
الحكومية، يقابله انتشار واسع للمستشفيات الخاصة، التي لا يستطيع
المواطن العادي دخولها.
أما مشكلة المشاكل التي تواجه المصريين الآن، فهي ارتفاع نسبة البطالة
التي لم يسبق لها مثيل. ومن الأمور العادية أن نجد في معظم الأسر شابًا
أو شابين من الخريجين الجدد بلا عمل.
والمعضلة الثانية التي باتت تهدد كل أسرة، هي ارتفاع الأسعار بصورة
جنونية تهدد استقرار المجتمع، لدرجة أن أصبح طبق الفول التقليدي (أرخص
أنواع الطعام) عبئًا على ميزانية الأسرة البسيطة.
وكانت مشكلة اختفاء رغيف الخبز، وتكدس الطوابير عليه بشكل مخيف، وعجز
الحكومة والنظام عن حل هذه المشكلة، هي أوضح تعبير عن مستوى الفشل.
الشارع المصري بات يئن أنينًا مسموعًا، وهو يشكو من أن الدولة أهملته
ولا تفكر في مشكلاته، وإنما تفكر فقط في رجال الأعمال والأغنياء،
وتسابق الزمن في تنفيذ أوامر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، هذه
الأوامر التي بدأت منذ أوائل التسعينات حتى الآن. وكان من الطبيعي،
نتيجة تراكم سياسات العناية بالأغنياء وإهمال الفقراء، أن يحدث ما حدث
في الشارع المصري منذ عام 2006 وحتى الآن، وكان آخره ما حدث في المحلة
الكبرى في السادس من أبريل الماضي.
كل هذا الفشل تدركه الدولة تمامًا، وتدرك أنها لن تستطيع أن تفعل شيئًا
ملموسًا لحل هذه الأزمات الكبيرة، وتدرك أنها لم يعد في يدها شيء
تفعله، وهذا يضغط على أعصاب الدولة، وهي ترى تنظيمًا قويًا هو "الإخوان
المسلمون"، يحقق نجاحات بقدر ما تحقق الدولة من فشل.
قوة الإخوان تخيف النظام
الدولة تدرك عناصر قوة الإخوان، ومن أهمها قدرتهم على الفوز على حزب
الحكومة باكتساح، لقوتهم في الشارع من ناحية، ولفشل السياسات الحكومية
من ناحية أخرى.
لما سبق كله، قررت الدولة نقل الصراع مع الجماعة إلى مرحلة أكثر سخونة،
من أجل تحقيق مزيد من السيطرة على الجماعة وتحجيمها والتضييق عليها، عن
طريق الاعتقالات المستمرة، ثم الإحالة للمحاكمات العسكرية، رغم إلغاء
القضاء الإداري بقرارات الإحالة إليها، بل بدأت الدولة سياسة جديدة هي
تتبع البنية الاقتصادية للجماعة وضربها. ولذلك كان الجانب الاقتصادي في
الأحكام العسكرية واضحًا بمصادرة نصيب المهندس خيرت الشاطر وحسن مالك
في شركة "مالك" وفروعها، وكذلك في شركة "رواج" وفروعها، ومصادرة نصيب
حسن مالك في شركة "الأنوار"، ومصادرة نصيب المهندس خيرت الشاطر وأحمد
عبد العاطي في شركة "الحياة"، ومصادرة نصيب أحمد أشرف عبد الوارث في
"دار التوزيع والنشر الإسلامية".
ويبدو أن الدولة نسيت أن شركات الإخوان وأموالهم المصادرة، تمثل من
الناحية الاقتصادية رافدًا من روافد الاقتصاد القومي، وتعمل في أنشطة
واستثمارات متعددة في مجال العقارات والتنمية الزراعية والملابس
الجاهزة والبرمجيات والمواد الغذائية.. الخ، واستثمارات الإخوان في هذه
الشركات ليست بسيطة، وحسب بعض المصادر فإنها تبلغ سبعة مليارات جنيه.
عناصر قوة الإخوان التي يخشاها النظام هي قدرتهم الكبيرة على التجنيد
والتعبئة والحشد، نتيجة لقوة التنظيم وكفاءته، الناتجة من عنصر الطاعة
والولاء للقيادات. كما أن العضو الإخواني العادي يتفانى في تنفيذ الأمر
المنوط به، مهما كلفه ذلك، محتسبًا عمله هذا في سبيل الله، يطلب من
الله الأجر ولا يطلبه من الجماعة، بينما ينتشر الفساد والسرقة والنهب
في الجهاز الحكومي، ولا يتحرك أحد إلا قبل أن يعرف مقدار المكسب، بل إن
كثيرًا من أعضاء الجماعة ينفقون من أموالهم على أنشطة الجماعة. ويتميز
الإخوان بقدرتهم على تجنيد الكوادر والكفاءات في مختلف القطاعات
والمهن، وكذلك في الجامعات والمعاهد. ولذلك فمن الشائع أن نجد داخل
الإخوان الآلاف من أساتذة الجامعة والأطباء والمهندسين والمحامين، ومن
هنا كانت قدرتهم الفائقة في السيطرة على النقابات المهنية.
أبرز نجاحات الإخوان كانت في قدرتهم على اختراق نقابة الصحفيين، وإلحاق
كل كوادرهم بنقابة الصحفيين، وحصولهم على عضويتها، وبالتالي نجاحهم
التدريجي في تنمية تواجدهم داخل مجلس النقابة، وتوافر التمويل المادي
لدى الإخوان، لدرجة يمكن معها اعتبارهم أغنى تنظيم سياسي مصري، أربك
النظام بشكل خاص.
تهمة العنف جاهزة
ومن عناصر قوة الإخوان التي يدركها الجميع، وأولهم النظام المصري، أن
الإخوان منذ أن أفرج عنهم الرئيس السادات في السبعينات لم يمارسوا
العنف أبدًا؛ لأن أدبياتهم وثقافتهم ومنطقاتهم الفكرية تؤكد نبذ العنف
واعتماد الدعوة السلمية والأساليب الديمقراطية في العمل السياسي. ولذلك
نجد أن النظام حريص على أن يبث في وسائل إعلامه صورة مناقضة لذلك،
ويحاول إلصاق تهمة العنف بهم، وآخر ذلك كان تحميلهم المسئولية عن أحداث
المحلة، رغم إعلانهم المسبق أنهم لن يشتركوا في الإضراب.
ومن عناصر قوة الإخوان أيضًا أنهم خلال تاريخهم كانوا يستغلون أنهم
مضطهدون، ووقع عليهم ظلم تاريخي من جمهوريات ثورة يوليو، بل ومن حكومات
ما قبل الثورة، وكانت الكتب التاريخية والمواد الثقافية التي نشرها
الإخوان، والتي تحكي معاناتهم في سجون عبد الناصر، تمثل مددًا يغذي
الشارع المصري، ويدفعه للتعاطف مع الإخوان، والتفاعل مع أطروحتهم
الدعوية والسياسية.
فاقد الشرعية لا يمنحها
ومن عوامل قوة الإخوان أيضًا قضية الشرعية التي يرفعها النظام بالليل
والنهار، فالنظام السياسي المصري دائمًا ما يصف جماعة الإخوان المسلمين
بأنها "جماعة محظورة" أو "محجوبة عن الشرعية"، والأمر هنا يثير
السخرية، وأبسط مشتغل بالعمل السياسي، وطالب السنة الأولى في العلوم
السياسية، يستطيع أن يحدد من هو الطرف الذي يتمتع بالشرعية، ومن هو
الطرف الذي يفتقدها. فإذا كان معيار الشرعية هم الناس والرأي العام
وصندوق الانتخابات، فالإخوان هم الطرف الشرعي بجدارة. كما أنهم طرف غير
ملوث بدم المصريين، ولم ينهب أموالهم، ولم يجربهم الشارع المصري في
الحكم ففشلوا.
وكثير من القوى السياسية تقدر وجود الإخوان في الشارع المصري، وتحترم
حجمهم وتاريخهم الوطني، ولا يرفض وجود الإخوان على الخريطة السياسية
إلا الحزب الوطني وحزب التجمع، والمستغرب أنهما قد سقطا في الانتخابات
البرلمانية الأخيرة أمام الإخوان بصورة جعلت القيادة السياسية تحرص على
تعديلات جوهرية، وتقيم دراسات مكثفة لتلافي القصور.
الخيار السّهل
الدولة تدرك كل ذلك، وخطتها في مواجهة الإخوان، ليست في تعديل
سياساتها وتحسين صورتها، وتخفيف قبضتها الأمنية عن الناس، ورعاية مصالح
الفقراء، وإنما تتبع الاستراتيجية السهلة، وهي تشويه الإخوان، وتحذير
الداخل الخارج وتخويفهما منهم؛ فتعلن الدولة على لسان رئيسها أن
"الإخوان المسلمين خطر على أمن مصر، وإن صعود تيارهم سيعزل البلاد عن
العالم، ولو صعد تيارهم فسوف تتكرر في مصر تجارب أخرى ليست بعيدة عنا
لنظم تمثل الإسلام السياسي، وما تواجهه من محاولات فرض العزلة عليها
وعلى شعوبها، وأن المستثمرين سوف يهربون بأموالهم، وسوف تزداد البطالة،
وسوف تنعزل مصر عن العالم إذا استمر صعود الإخوان". ثم تلتفت إلى
الإخوان تضييقًا واعتقالاً ومصادرة للأموال.
ولذلك فنحن نتوقع أسلوب مواجهة النظام للإخوان في المستقبل القريب
والمتوسط، ولن نأتي في ذلك بشيء من عندنا، ولكن بما فعله ويفعله النظام
الآن وقبل ذلك، ففكر النظام وثقافته لن تتغير، لذلك فعلى الإخوان أن
يغيروا هم من فكرهم وثقافتهم وسلوكهم.
الإخوان والتحدي
قد يقول قائل: طالما كان الإخوان بهذه القوة، وطالما كان النظام بهذا
الضعف، فلماذا تبقى الإشكالية قائمة؟ وهي شراسة النظام في مواجهة قوة
شعبية لا تشعرنا بوجودها؟
الإجابة: ربما لا تُعجب الإخوان ولا يحبون أن يسمعوها، فقد أعطيناهم في
السطور السابقة حقهم الذي يستحقونه، وأنصفناهم حينما استحقوا الإنصاف،
لكن من الضروري أن يفسحوا صدورهم ليسمعوا منا إجابة على السؤال الصعب
الذي طرحناه؛ لأننا نحب ونتمنى لهم النجاح، الذي سيصب في مصلحة الهُوية
والشريعة.
وفي إجابتنا على السؤال نوضح وجهة نظرنا فيما يجب أن يغيره الإخوان في
الفكر والثقافة والسلوك، كي يخرجوا من الإطار الذي وضعهم النظام
داخله...
الإخوان أصبح وضعهم الآن أنهم جماعة وتنظيم كبير، يعبر عن مصالحه
الخاصة، أكثر بكثير من أن يعبر عن مصالح الجماهير العريضة.
هم تنظيم قوي وغني، وبه الكفاءات والكوادر، هذا صحيح، ولكنه تنظيم
منشغل بنفسه بشكل أكبر، ومنشغل بأعضائه بنفس القدر، وانشغاله بنفسه
وبأعضائه ليس عيبًا، فهم شريحة من المصريين التي يجب العناية بها..
ولأن التنظيم بهذا الشكل، فقد كان من السهل على النظام الضعيف، الذي لا
يملك إلا الآلة الأمنية، أن يعزله ويحاصره، ولو تفاعل الإخوان مع
الشارع بصورة أكبر، وقدموا التضحيات في سبيل ذلك، لما أسلمهم الناس
بهذه السهولة، ولراجعت الدولة نفسها كثيرًا قبل أية خطوة مضادة لهم.
كثير من المفكرين والمؤرخين يقولون: إن الإخوان يخافون من تحمل
المسئولية، ويعللون ذلك بأنهم جماعة كبيرة، وينبغي أن تحسب حساباتها
بدقة؛ لأن أي قرار غير سليم سيوقع الضرر الكبير على الأعضاء..
هذا الخوف، وهذا التفكير، جعلهم مثلاً يتراجعون عن المشاركة في إضراب 6
أبريل الماضي، وهو الإضراب الذي احتفى به المصريون جميعًا، رغم رفضهم
لما صاحبه من أعمال تخريب.
ونذكر الإخوان بأن إضراب 6 أبريل أفرز قياداته الخاصة به، وأدار ظهره
لكل القيادات الحزبية والسياسية الموجودة على الساحة، مرسلاً رسالة على
جانب كبير من الأهمية وهي: نحن لا نعترف بالمعارضة القائمة، بكل
توجهاتها وفصائلها، وسنفرز قيادتنا الخاصة التي ستنتزع لنا حقوقنا،
وتحقق معنا أحلامنا الضائعة
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤