
مصر: كم جلدة تكفي لصحافيي التدليس والفساد؟
خالد الشامي
– القدس العربي - حماسنا
--------
اثارت تصريحات منسوبة لشيخ الازهر مؤخرا حول جلد الصحافيين مروجي
الشائعات ثمانين جلدة، جدلا واسعا، ومخاوف اوسع من ان الحملة ضد حرية
الصحافة في
مصر ربما تكون في بدايتها.
وبداية فاننا نستنكر ونندد
بصحافة الشتائم وترويج
الشائعات مهما كان مصدرها، ونتحفظ عن بعض ردود الافعال التي فشلت في
التمييز بين
مؤسسة الجامع الازهر الشريف الواجبة الاحترام لمكانها ومكانتها في
العالم الاسلامي،
وبين تصريحات او آراء لشيخه، الذي يؤخذ من كلام ويرد، خاصة ان كانت
التصريحات تدخل
في صلب قضية سياسية تتصدر الساحة حاليا الا وهي حرية الصحافة،
بل وتتدخل بشكل غير
مباشر في قضية معروضة امام القضاء الا وهي اتهام صحف الدستور والبديل
والكرامة
بترويج شائعات ونشر اخبار كاذبة حول صحة الرئيس حسني مبارك.
ولقد كان من الافضل
ان ينأي فضيلة شيخ الازهر بنفسه، وبالمؤسسة الجليلة التي يرأسها عن هذا
المعترك
الصحافي السياسي الذي لا بد لمن يدخله ان يكون مستعدا لأن يسمع ما قد
لا يرضيه وذلك
للاسباب التالية:
1
ـ ان هذه التصريحات يمكن
ان تقع في خانة
استغلال النظام
للدين لاغراض سياسية
، وهو المبدأ نفسه الذي يزعم النظام انه خط احمر لن يسمح لاحد
بتجاوزه، بل انه كان يمثل الغطاء الرسمي لتعديل المادة الخامسة من
الدستور المصري
في شهر نيسان (ابريل) الماضي والتي يعتقد ان الهدف منها هو سد الطريق
امام اي
امكانية لاقامة حزب ذي مرجعية اسلامية.
وبالتالي كان من الاحري ان يمتنع فضيلة
شيخ الازهر عما يبدو
مخالفة لهذا المبدأ،
ولو من باب درء الشبهات
.
2
ـ ان
القبول جدلا بتطبيق الحدود الشرعية
علي الصحافيين قد يفتح الباب واسعا امام تساؤلات
غير مأمونة العواقب مثل:
ما حكم الصحافيين
(سواء في مصر او العالم العربي) الذي
يحترفون التدليس ومنذ سنوات (واحيانا عقود) علي قرائهم بتصوير حكومات
وانظمة ظالمة
وقمعية عفا عليه الزمن، علي انها انظمة وطنية وعروبية رغم ما
اوصلت اليه الأمة من
تدهور غير مسبوق علي الاصعدة كافة.
وما حكم صحافيين
تحولوا الي مليونيرات
(واحيانا
مليارديرات) في غضون شهور او سنوات قليلة من ترأسهم مؤسسات صحافية
حكومية
ينفق عليها دافعو الضرائب احيانا، او تقبض مباشرة من الحاكم او حاشيته
او اقاربه
مقابل مشاركتهم في حملة التدليس الكبري التي تمتد من المحيط الي
الخليج؟
ولماذا
لا يطبق عليهم مبدأ من اين لك هذا؟ اذا كان من الصعب تطبيقه علي كبار
المسؤولين؟
3
ـ ان اصدار حكم
من فضيلة شيخ جامع الازهر، بكل ما له من جلال
وهيبة، لا بد انه سيؤثر سلبا علي
عدالة المحاكمة المنتظرة
للصحافيين ابراهيم عيسي
والدكتور محمد السيد سعيد. بل وسينظر اليه مراقبون وكأنه ادانة مسبقة
واسهام ـ سواء
بقصد او بدونه ـ في ما يعتبرونه حملة حكومية ضد حرية الصحافة خاصة بعد
صدور احكام
بسجن سبعة صحافيين بينهم خمسة رؤساء تحرير في فترة قياسية مؤخرا.
4
ـ ان هذه
التصريحات
تفتح الباب امام تساؤلات حول علاقة مؤسسة الازهر بالحاكم، وهي علاقة
معقدة بابعادها السياسية والتاريخية والعرفية. ومعروف ان شيخ الازهر
يحظي بمكانة
تعادل رئيس الوزراء في الهرم البيروقراطي للسلطة في مصر، ولذا يأتي
قرار تعيينه من
رئيس الجمهورية (وهنا موطن الداء) الا ان سلطته المعنوية في الاصل
تتجاوز درجته
الوظيفية بكثير.
وطالما حظي شيوخ الازهر في الماضي بالاستقبال المخصص لرؤساء
الدول
عندما كانوا يزورون دولا اسلامية
وخاصة في اسيا، نظرا
للدور العريق
الذي
اضطلع به الازهر ومنذ مئات السنين في نشر الاسلام في ذلك الجزء من
العالم. وطالما
تخرج منه زعماء ومفكرون كبار.
وربما لا يكون من مصلحة النظام، ولا الادارة
الحالية للازهر الشريف ان يفتح احد باب المقارنة، بين ما كان وما آل
اليه الحال.
وليس المقصود هنا ازهر الحملة الفرنسية الذي
كان ساحة حرب فحسب
بل ازهر شيوخ ما
زالت
اسماؤهم وصورهم، وستظل محفورة
باحرف من نور في ذاكرة الوطن، كالمراغي وشلتوت
ثم الشيخ عبد الحليم محمود الذي قال كلمة الحق في حضرة سلطان جائر، في
اعقاب معاهدة
كامب ديفيد، ما جعل الرئيس الراحل السادات يقصيه عن مكانه، ولكن ابدا
ليس عن
مكانته.
لقد جددت الازمة الاخيرة
مطالبات قديمة
باختيار شيخ الازهر عن طريق
الانتخاب،
وليس التعيين، حيث ان علماء الازهر الاجلاء ادري بهوية من هو اعلمهم
واقدرهم علي خدمة الدين والوطن.
واخيرا تمنينا لو اننا سمعنا
صوت فضيلة شيخ
الازهر في كثير من مصائب الامة وملماتها، كانتشار ظاهرة التعذيب،
وتفاقم الفقر
والبطالة ما جعل شبابا يقدمون علي الانتحار، وما جعل طفلة رضيعة تتعرض
للقتل بغية
سرق قطعة ذهب تتحلي بها ولا يزيد ثمنها عن خمسين جنيها (اقل من عشرة
دولارات)، واما
عن انتشار الفساد في البلاد والعباد، فحدث ولا حرج.
ومع كثير جدا من الاحترام
لمؤسسة الازهر الشريف، يبقي الكثير من علامات الاستفهام حول استقلالية
اداراته
الحالية، وهي ليست منزهة عن الخطأ ولا اكبر من ان تدعي لتقوي الله
وحاشا لله ان
تكون.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤