
موقف " أبو تريكة " من نانسي عجرم بين فرحة
الانتصار
وضرورة الالتزام
محمد صادق * - اسلام تايم – حماسنا
--------
أقام المجلس القومي للرياضة احتفالية حصول الفريق الوطني على بطولة
أفريقيا ، وكان من الحضور
اللاعب محمد أبو تريكة
، وبتواضعه الأشم شارك زملاءه فرحتهم ، ولما لا وهو أحد صانعيها ؟!.
وتجاذب أطراف الأحاديث حول الكرة والآمال في تحقيق مركز متقدم في كأس
القارات ، ثم أمنية الوصول إلى نهائيات كأس العالم ، وأتخيل أن
الأحاديث تناولت غزة التي في قلب كل مسلم ، فالإعلان الرائع المُوَفَّق
الذي قام به أبو تريكة لم يكن وليد لحظته _ أو دفقة شعور عابرة ، بل هو
إفراز فكر وقضية تشغل اللاعب ومن معه جميعا .
-
وفي إطار الاحتفالية كان " لنانسي عجرم " دورها
فقدمت بعضا من أغانيها ، ولا سيما ما تشارك به المصريين فرحتهم
الغامرة بالكأس .
-
ولكن قبل صعود نانسي لتغني غادر" أبو تريكة " المكان
، مكتفيا بما قضاه مع زملائه و أحبابه في مشاركتهم ابتهاجهم بالنصر
الرياضي .
هذه سرديةٌ للموقف والحدث ، أما رؤيتي فهي :
1- أن مشاركة " أبو تريكة "
على الرغم من علمه بطبيعة الاحتفال وأن فيه شقا غنائيا ، دليل على
السلوك الحضاري الذي يتحلى به ، فهو لم يعتذر بدايةً ، فربَّما لو فعل
ذلك لأصبح في نظر بعض الناس
أصوليا أو متطرفا
. والرجل ذو عقلية متحضرة ملتزمة ، فاستوعب الموقف ، وتفاعل مع معطياته
، وفي الوقت نفسه لم يُفَرِّط في التزامه وما يراه صوابا
.
2- أن " أبو تريكة "
رأى أن في حضوره حفل غناء نانسي تعارضا مع منهجية إظهاره سعادته،
وهي " السجود لله تعالى حمدا وشكرا، عند تسجيل الأهداف " فالسجود في
فلسفة السعادة مظهر من مظاهر إبرازها، والغناء أو الرقص هنا مظهر من
مظاهر إبراز السعادة " والغناء والرقص يتناقض مع السجود " لذلك
فانسحابه من حضور الغناء ، دلَّ على توازنه ، واستواء نفسيته ، وصدقه
مع ذاته ، وهذا ليس مجاملة للحبيب " أبو تريكة " بل هذا تحليل –
أحسبه موضوعيا - " ومن يخالفني الرأي فإني أسعد برأيه عندما يبديه بعد
هذه المقالة " وإظهار السعادة حق إنساني ، وكلٌّ يعمل على شاكلته ،
فغير المسلم يحتسي الخمر ، أو يرقص ، أو يغني عندما يدرك غايته ، أو
يحقق انتصارا ما .
-
وهاهو رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ عندما يدخل مكة فاتحا ، ممتطيا
ظهر ناقته أخذ يسبح الله و يذكره سبحانه ، على حين كان أبو جهل ، بعدما
نجت عير قريش ، وعزم القوم على الرحيل إيثارا للسلامة واكتفاءً بما
نالوا ، يحثهم على غير ذلك ؛ حتى يُبقى أثرا إعلاميا في قبائل العرب ؛
فأمر القيان أن تغني ، وكانت الخمر معهم فشربوا وتراقصوا وترنموا
سُكَارى
.
هذه مظاهر إبرازهم فرحتهم بنجاة عِيرهم وتوهم أن هيبتهم ما زالت قائمة
بين العرب .
وكان من عادة العرب إذا قُتِل لهم قتيل ألا يشربوا الخمر حتى يثأروا له
، فشُربُ الخمر بعد إدراك الثأر مظهر من مظاهر إبراز السعادة لديهم .
-
فما قام
به " أبو تريكة"
يتسق فيه داخله الملتزم بالقيم والثوابت مع خارجه المُعَبِّرِ عن فرحه
وسروره بما لا يوقعه في صراع بين الذات والواقع " احتفالية الغناء " .
فانسحابه من حضور الحفل الغنائي هو انزياح مؤقت وهو " المحدود"
للمحافظة على الفضاء الواسع " اللا محدود " .
3- أرى أن انسحاب "أبو تريكة"
جاء من باب احترام الذات العربية، وذلك من محورين :
-
الأول :
أن الطرب وما يعتري الحضور من تفاعل مع المسموع – مهما كانت درجة
الوقار- حتما ستجعله في أثناء تفاعله يخرج ولو بقَدْر عن الهيبة
والوقار ، وواقع الأمة اليوم يجعل من ينشغل به ويتابعه حاملا همومه لا
يعرف غير الجدية، مهما حاول أن يخفف من وطئة ثقله، فحال العراق وما
فيها من اضطهاد لأهل السنة ، وما يعانون من تشريد وتقتيل وهتك للحرمات
، وهدم للمساجد ، ثم فلسطين كل فلسطين ، ولا سيَّما غزة المحاصرة ،
وأفغانستان المُكَبَّلة الجريحة ، والصومال المحتلة ، كل هذا يجعل
العاقل الجاد لا يضحك إلا قليلا .
فانسحاب " أبو تريكة " يدل على أن الرجل يحمل هموم أمته ، ويشعر بالظلم
الواقع على بني قومه . إذن كيف تجتمع الجِدِّية مع الميوعة في قلب واحد
؟ هذا يستحيل ؛ لأن المتناقضين لا يجتمعان معا فانسحب الرجل .
-
الثاني :
وهو ما يغفل عنه كثير من الناس في زحمة الأحداث ، وتتابع الأخبار
ودفع جديدها لقديمها انزياحا أن نانسي هذه قامت عقب إعلان المقاطعة
لشركة " كوكاكولا " اليهودية ، بالتعاقد معها نظير إعلان يُرَوِّجُ لها
، بعدما كان الناس يقاطعونها - وما زال أهل الإيمان والإلتزام
يقاطعونها وغيرها من الشركات اليهودية - وقعت نانسي في فخ الملايين
التي تقاضتها نظير الإعلان .
-
وأظن أن "
أبو تريكة " لم ينس لها هذا
؛ ولذلك كان انسحابه مقاطعة لنانسي ، التي لم تقاطع شركة اليهود، بل
وفرحت بثمن بخس نظير إعلانها . فأبو تريكة يضرب أروع المثل في المقاطعة
الجادة للبضائع اليهودية ومن يروجون لها .
4- أن موقف " أبو تريكة "
تُجاه نانسي قوبل بتقدير للرجل ، فهو معروف بحسن أخلاقه ، وأنه معتدل
وليس متطرفا كما يحلو لأجهزة الإعلام أن تسمي من لا يروق لها التزامه ،
ثمَّ إنها حريته الشخصية .
-
ومواقف "
أبو تريكة " يتفاعل معه فيها جمهور الشعب بكل فئاته
ومستوياته ؛ لأنها تعبر عما بداخل هذا الشعب المقهور المسلوب حقه فلا
يستطيع أن يعلن عما يجيش بصدره ، فما يقوم به " أبو تريكة " يرى الشعب
فيه نفسه ، وأنه هو " أبو تريكة " ، قمة الامتزاج والتداخل .
-
فأبو
تريكة الآن هو الذات الرمز
، التي تجعل كل مصري وعربي يقول : هذا أنا وهذا الفعل الذي قام به "
أبو تريكة " فعلى ، يُعَبَّرُ عني ، ولكن أتاح الله ل" أبو تريكة " ما
لم يُتِحْ لي .
فهنيئا لك يا" أبوتريكة" كم من الحسنات تنالها بإذن الله ، وأنت
تُعَبِّرُ عن آمال هذه الأمة المظلوم أهلها .
--------------
*دكتواره في تعليم اللغة العربية لغير العرب
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤