4
نقلات فى حياة القرضاوي
فهمي هويدي-
نافذة مصر

ما لقيت أحداً خلال الثماني وأربعين ساعة الأخيرة إلا وجدته
يعبر عن جزعه بسبب الأخبار التي نشرت عن صحة الشيخ يوسف القرضاوي ,
خصوصاً الإشارة التي أوردتها الصحف عن النزيف الذي أصباه , والحرج
الذي تمر به ظروفه الصحية , ولم يكن ذلك الجزع قلقاً علي الرجل الذي
احتل مكانة خاصة في قلوب المسلمين في كل مكانة , ولكنه كان قلقاً علي
المسلمين أنسفهم , بعدما أصبح الشيخ مصدراً لا غني عنه في تصحيح
الإدراك وإشاعة الفكر الوسطي , الذي أصبح أحد أهم المبشرين به
والمدافعين عنه في زماننا ..
بل أصبح صاحب مدرسة فقهية تتعلق بها آمال كثيرين من المصلحين
والمتدينين , الذين رفضوا التطرف والعنف , ووجدوا في خطاب القرضاوي
راية تعلقوا بها وتحلقوا حولها .
وإذ نحمد الله أن مد في عمره ومكنه من أن يبث
مشروعه الفكري في أكثر من مائة مؤلف , وأن يثبت حضوره علي أكثر من صعيد
, خصوصاً حين رأس في السنوات الأخيرة اتحاد علماء المسلمين , وأراد له
أن يكون منبر إشعاع ينير عقل الأمة , متجاوزاً عن الخلاف في العقائد
والمذاهب , إلا أن العارض الذي ألم به وعافاه الله منه ينبه أعوانه
ومحبيه إلي ضرورة التفكير في كيفية الحفاظ علي البنيان الذي أقامه ,
والنهج الذي كرس له حياته , ومستقبل مشروعه كله .
إننا بصدد نموذج يكاد لا يعوض , ومدرسة فكرية هي
طوق النجاة ومعقد أمل المسلمين , تستحق الدراسة المعمقة , صحيح أن ظهور
الشيخ القرضاوي علي شاشة تليفزيون "الجزيرة" كل أسبوع , ولعشر سنوات
تقريبياً علي الأقل , جعله يدخل ملايين البيوت بحيث أصبح عضواً في
ملايين الأسر , إلا أننا نبخسه حقه إذا ما اكتفينا بذلك في تقييم دور
الراجل , الذي أحسبه أحدث أربع نقلات مهمة في حياته المديدة , حفرت له
مكانته في قلوب الجميع .
النقلة الأولي تمثلت في تحوله من داعية إلي فقيه
, ومن مبشر إلي مجتهد .. فلم يعد يبلغ الناس بما يعرفون أو بما يدغدغ
مشاعرهم ويرطب جوانحهم , وإنما أصبح يرد علي أسئلتهم ويحل لهم إشكالات
حياتهم , ويستنبط الأحكام التي تسهم في تيسير الحلال وطمأنة ضمائر
المؤمنين .
النقلة الثانية تمثلت في تحوله من الحركي إلي
المرجع , ذلك أنه تربي في مدرسة الإخوان حقاً , لكنه تخرج من المدرسة
وتحول إلي جامعة بحد ذاته , وبالتالي فإنه تجاوز انتماءه إلي الحركة ,
وانحاز إلي انتمائه للأمة , ورغم اعتزازه بخلفيته وتجربته في صفوف
الإخوان , إلا أنه اعتبر تلك التجربة مرحلة في حياته , أسهمت في تأسيسه
لكنها لم تستوعبه أو تستولي عليه , وتعامل مع الحركة الإسلامية
باعتبارها وسيلة وليست غاية , وباباً لخدمة الإسلام , لا يصادر أبواباً
أخري توصل إلي ذات الهدف , وبسبب موقفه ذاك , فإنه لم يتردد في نقد
مشروع الإخوان ومراجعة كتابات الأستاذ سيد قطب , وهو ما عبر عنه في
كتابه "أين الخطأ" وفي نقده فإنه ظل دائماً ساعياً إلي تصويب المسيرة
وتدعيم البناء , وطامحاً إلي نجاح المشروع ومواكبته لتطورات الزمان
والمكان .
النقلة الثالثة تمثلت في انتقاله من المحلية إلي
العالمية , إذ لم يعد فقيهاً مصرياً أو قطرياً ولا عربيا , وإنما أصبح
صاحب كلمة في مجتمعات المسلمين حيثما وجدوا , في أي قارة من قارات
العالم , ورغم أنه شجع المسلمين في المهجر مثلاً علي أن يستعينوا بأهل
العلم في بلادهم , باعتباره الأدرى بشعابهم , إلا أنهم وجدوا أو وجوده
بينهم لا يستغني عنه , فقبل أن يتولي رئاسة المجلس الإسلامي الأوروبي ,
وعطاؤه للمسلمين في الغرب لم يختلف كثيراً عن عطائه وحضوره في ماليزيا
وإندونيسيا وغيرهما من بلاد المسلمين .
النقلة الرابعة كانت في تحوله من التقليد إلي
التجديد , ذلك أنه بدأ حياته الفقهية دائرا في فلك المذاهب المعتمدة
وملتزما بتعاليمها , لكنه مع مضي الوقت وسعة اطلاعه علي أمهات الكتب
وعلي أحوال المسلمين , طور من أفكاره مهتدياً بمقاصد الشريعة , ونجح في
أن يثبت حضوره كواحد من مجددي القرن .
إن تجاوز الدكتور القرضاوي للعارض الذي ألم به
يسعدنا لا يب , وسوف تستمر سعادتنا إذا ما أدركنا أن مدرسته استمرت ,
وأنه نجح في أن يربي رجالا يحملون رسالته .