"منبر الشرق" وعدلت عن كلمة "مشيخة" التي اختارها أديب عندنا كبير،، ورددها في مقالاته وأحاديثه الاذاعية في حملاته على "الصهيونية العالمية"، وآثرت كلمة "حكماء" لأنها أوفى دلالة من كلمة "عقلاء" وأوقع من الكلمتين "شيوخ" و"مشيخة" وأولى أن لا تختلط بما نلقب به للتوقير علماءنا المسلمين بين رجال سائر الأديان. وهذا العنوان "بروتوكولات حكما ء صهيون" هو الذي شاع ترجمة لعنوان الوثائق بعد أن طبعناها كتاباً، وفاض صيته بين قراء العربية ولا سيما الساسة والأدباء والمفكرين، حتى أن هيئة من هيئات الدعاية والنشر اختارته عنواناً لهذه الوثائق حين طبعتها، بعد أن ادعت أنها ترجمتها عن أصل فرنسي، وأخذت من ترجمتنا فقراً كاملة بحروفها وبدايتها ونهايتها، بل تصحيفاتها المطبعية، وكان عنواننا عنوان غلافها، بعد أن نسيت الهيئة النشيطة الواعية انها وضعت للكتاب من داخله عنواناً آخر هو "بروتوكول حكماء صهيون".
وأما العنوان الثاني للوثائق ـ وهو دون الأول شهرة ـ فهو "الخطر اليهودي" وواضعه هو الأستاذ فكتور مارسدن مراسل جريدة "المورننغ بوست" اللندنية، وهو الذي ترجم الوثائق من الروسية إلى الانجليزية، وأضاف لها هذا العنوان إلى عنوانها الأول وقدمه عليه في طبعته، وكتبه بحروف أكبر ليزيده تنويهاً، وقد اتبعناه نحن في ترجمتنا العربية عنه، لا لمجرد الأمانة، في النقل فحسب بل لأن الكتاب في تقديرنا جدير بالعنوان ايضاً.
ولقد أصاب المراسل الحصيف فيما اجتهد واختار، إذ لم ينظر إلى الحركة الصهيونية في العالم بمعزل عن تأييد جميع اليهود كما نظر ـ وما يزال ينظر ـ إلى غيره من الهواة الهازلين الذين يتعاطون السياسة ودراسة النظم الاجتماعية والحركات التاريخية ظالمين، دون فقه بفلسفة التاريخ والبواعث الخفية من وراء تياراته المحلية والعالمية، فمهما يكن من تبرئة سائر اليهود من مشاركة الصهيونيين مساعيهم لفرض سلطان اليهودية محلياً أو عالمياً فلا شك أن هؤلاء الأبرياء ـ على أضعف الوجوه ـ ضالعون في الحركة الصهيونية بالعطف، والرغبة في النجاح والمساعدة التي لا تعرضهم لنقمة الأمة التي يعيشون فيها، ولنقمة الحكومة التي يخضعون لسلطانها، ولاشك أن الحركة الصهيونية تستفيد من كل يهودي في العالم بطريق مباشر على هواها وهواه، وبعض هؤلاء قد يخالفها سراً أو جهراً في خططها أو وقت تنفيذها ولكنه لا يخالفها أبداً في الغاية التي تمليها عليه شريعته الموسوية لو لم تكن هناك حركة صهيونية، وليس من المنتظر أن يخذلها عند المحن، أو تختلف بواعثه في مساعيه واعماله عن بواعثها، وهذه البواعث عندنا أهم من الوسيلة والغاية لأنها هي التي تحدد الوسائل والغايات وتدبر لها ما ينبغي من مساعدات. واذا لم يفعل اليهودي ذلك من جانب الايمان بالحركة الصهيونية أو بشريعته الموسوية فمن جانب الغيرة القومية التي لم تخل منها نفس يهودي في أحلك العهود ولا اشدها اشراقاً، وقد تجد اليهودي ملحداً منكراً لكل دين، بل منكراً لكل اساس ديني في الحياة، وهو مع ذلك من غلاة الدعوة الصهيونية، ومن هؤلاء العلامة النابغة ماركس نورد او الذي كان ملحداً مجاهراً ينكر كل أصل غيبي للدين وللأخلاق أيضاً،وكان مع كل ذلك من رؤوس المؤسسين للحركة الصهيونية ومن أقوى دعاتها بقلمه ولسانه، بل كان داعيتها في كل ما كتب وخطب ظاهراً وباطناً حيث أراد ذلك وحيث لم يرده بحكم نزعته اليهودية المركزة أصولها في أخفى طوايا سريرته، وبحكم وروثاته مأثوراته واسلوب حياته جمعاً. وهي ناضجة على كل آثاره الكريهة بلا خفاء.
وإنه لمن الافراط في الجهل والغفلة والهوى أن يخطر على عقل قابل للفهم أن يهودياً يتمنى مخلصاً خيبة الحركة الصهيونية أو فشلها، مهما يخالفها في خططها أو مراحلها أو وسائلها أو مواقيتها، وأبعد من ذلك في الشطط ان يستريح عقل إلى أن يهودياً يسعى مخلصاً لمقاومة الحركة الصهيونية بقلمه أو لسانه أو نفوذه أو مال وإن رآه يغمد سيفه في قلب فرد أو هيئة من اتباعها أو اتباع حركة سواها، ومهما يتعاد اليهود أو يتفانوا طوعاً لما رسخ في نفوسهم من البغضاء والضراوة بالشر فلا اختلاف بينهم على من يكون الضحايا، والضحايا هم أنا وانت من الأمميين الذين حرمهم الله شرف النسب اليهودي فانهم يرون أنهم وحدهم "شعب الله المختار" وما عداهم "أشياء" هي ملكهم وحدهم يتصرفون فيها على ما يشاءون دون قيد الا مصلحة اليهود الخاصة، فهكذا تملي عليهم التوراة والتلمود ونصائح سائر الأئمة بينهم والزعماء.
ومن أعجزه فهم ذلك لم يعجزه التصديق بابعد المستحيلات، وهو قابل لأن يفقه شيئاً في المجلات السياسية والاجتماعية ولو كان من العلم بغيرها في أعلى مكان، وإن أمة يكون لمثل هذا الآدمي المسكين يد في تصريف شؤونها العليا ـ لا سيما خلال الأزمات ـ لهي أشد منه مسكنة وأولى بأبلغ الرحمة. ومصيرها لا شك الفناء وما هو شر من الفناء.
8 ـ الناس يهود وجوييم أو أمم:
قديماً قسم الرومان الناس قسمين: رومانا وبرابرة، وقسمهم العرب قسمين: عرباً وعجماً، وقسمهم اليهود منذ خمسة وثلاثين قرناً قسمين: يهوداً وجوييم أو أمماً "أي غير يهود". ومعنى جوييم[1] عندهم وثنيون وكفرة وبهائم وأنجاس. وإليك البيان:
يعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار وانهم أبناء الله وأحباؤه[2]، وانه لا يسمح بعبادته ولا يتقبلها الا لليهود وحدهم لهذا السبب هم المؤمنون فغيرهم إذن جوييم أي كفرة. واليهود يعتقدون ـ حسب أقوال التوراة والتلمود ـ أن نفوسهم وحدهم مخلوقة من نفس الله وأن عنصرهم من عنصره، فهم وحدهم أبناؤه الأطهار جوهراً، كما يعتقدون أن الله منحهم الصورة البشرية أصلاً تكريماً لهم، على حين أنهم خلق غيرهم "الجوييم" من طينة شيطانية أو حيوانية نجسة: ولم يخلق الجوييم الا لخدمة اليهود، ولم يمنحهم الصورة البشرية الا محاكاة لليهود، لكي يسهل التعامل بين الطائفتين اكراماً لليهود، إذ بغير هذا التشابه الظاهري ـ مع اختلاف العنصرين ـ لا يمكن التفاهم بين طائفة السادة المختارين وطائفة العبيد المحتقرين. ولذلك فاليهود أصلاء في الانسانية، واطهار بحكم عنصرهم المستمد من عنصر الله استمداد الابن من أبيه، وغيرهم إذن جوييم أي حيوانات وانجاس:حيوانا عنصراً وإن كانوا بشراً في الشكل، وأنجاس لأن عنصرهم الشيطاني أو الحيواني أصلاً لا يمكن ان يكون الا نجاساً.
وكان الرومان والعرب "وبعض الآريين في العصر الحديث" يفضلون أنفسهم على غيرهم ببعض المزايا العقلية والجسمية، ولكنهم يعتقدون أن البشر جميعاً من اصل واحد ويرون لغيرهم عليهم حقوقاً يجب أدبياً أداؤها له، ويلتزمون في معاملته ومراعاة الأخلاق والشرائع الكريمة. فهم ـ مهما علوا وأسرفوا ـ التفرقة ـ لا يتطرفون تطرف اليهود في التعالي على غيرهم وقطع ما بينهم وبينه من مشاركة في اصل الخلقة والمزايا البشرية العامة.
لكن اليهود ـ حسب عقيدتهم التي وضحناها هنا ـ يسرفون في التعالي والقطيعة بينهم وبين غيرهم إلى درجة فوق الجنون، فهم يعتقدون أن خيرات ارض العالم أجمع منحة لهم وحدهم من الله، وأن غيرهم من الأممين أو"الجوييم" وكل ما في ايديهم ملك لليهود، ومن حق اليهود بل واجبهم المقدس معاملة الأمميين كالبهائم وان الآداب التي يتمسك به االيهود لا يجوز ان يلتزموه الا في معاملة بعضهم بعضاً، ولكن لا يجوز لهم، بل يجب عليهم وجوباً اهدارها مع الأمميين، فلهم أن يسرقوهم ويغوهم ويكذبوا عليهم ويخدعوهم ويغتصبوا أموالهم ويهتكوا أعراضهم ويقتلوهم إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم، ويرتكبوا في معاملتهم كل الموبقات، والله لا يعاقبهم على هذه الجرائم بل يعدها قربات وحسنات يثيبهم عليها ولا يرضى منهم الا بها، ولا يعفيهم منها إلاَّ مضطرين. وقد أشار القرآن إلى هذه العقيدة الاجرامية، ونحن نذكر ذلك من باب الاستئناس، لا لندينهم ولا لنبرهن على عقيدتهم به،لعدم اعترافهم بالقرآن، جاء في سورة آل عمران: (من أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده اليك،ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده اليك الا مادمت عليه قائماً، ذلك بأنهم قالوا:ليس علينا في الأميين سبيل). أي لسنا ملتزمين بمراعاة أي شريعة كريمة مع الأميين "غير اليهود".
9 ـ مقارنة البروتوكولات بكتبهم المقدسة وأقوال ربانييهم وزعمائهم:
ولا يستطاع، الا في كتاب، مقارنة كل فكرة أو نص بمثيله في كتبهم المقدسة كالعهد القديم والتلمود، وفي أقوال زعمائهم المعترف عندهم بصدورها عنهم، وقرارات ربانييهم المحفظة في السجلات Archives الإسرائيلية التي تدل على أن الدروس التلمودية التي يعكف اليهود في كل زمان ومكان على دراستها في مدارسهم ومجامعهم ليلاً ونهاراً ـ لا غرض من ورائها الا السير عليها في الحياة اليومية.
وكلها توجب على اليهودي ان يستحل في معاينة غيره كل وسيلة قبيحة كالسرقة والخداع والظلم والغش والربا، بل القتل أيضاً كما فعل موسى ـ حسب تصويراتهم وتلمودهم ـ حين قتل المصريفي أناة وبصبرة مستحلاً دمه، بل أن قتل الأممي كما يقول الربانيون قربان الى الله يرضيه ويثيب عليه، لأن الأمميين أعداء لله واليهود، وهم بهائم لا حرمة في قتلهم بأي وسيلة، ويعجب الناس من كلمة لديزائيلي رئيس الوزارة البريطانية قبل نحو سبعين سنة نصح الانجليز أن يتخذوها قاعدة ذهبية لسياستهم مع الشعوب لا سيما
[1] اليهود في بلاد المغرب يسمون غيرهم هناك "جوييم"حتى الآن والمفرد Goy أي القوم أو الأمة (لغير اليهود) ويجمع في الانجليزية احياناً على طريقتها بزيادة S فيقال Goys ويجمع فيها احياناً بطريقة أخرى فيقال جوييم Goyem بزيادة ياء وميم حسب الطريقة والنطق الغربيين كما يجمع الاسم في العربية جمع مذكر سالماً بزيادة ياء ونون فيقال معلم ومعلمين أو بزيادة ميم في الجمع على صيغة المفرد مع الضمائر فيقال: عليك وعليكم وقد وضعنا كلمة أمم وأمميين وأممي مقابل كلمة Gentiles (أي الجوييم) أتباعاً لمترجمي العهدين القديم والجديد إلى العربية، ويراد بها غير اليهود، وأرى أن كلمة أميين القرآنية (انظر الآية القرآنية ص58) تؤدى معنى جوييم وgentiles خير اداء، ولكننا وجدناها كلمة مشتركة قليلة التداول بهذا المعنى في كتابتنا المعاصرة فتركناها هنا.
[2] اشار القرآن إلى هذه العقيدة اليهودية الهمجية ورد عليها فقال: "وقالت اليهود.. نحن أبناء الله واحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم. بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء…".