
لا
بالروح ولا بالدم نفديكم يا حكام
بقلم: الدكتور جابر قميحة
أقسم
بالله ثلاثا لو قصدني أحدهم, وطلب مني «قطرة» أو
«قطيرة»
دم من إبهام يدي, أو قدمي, لتندمج في آلاف قطرات من آخرين ليفتدي بها
واحد
من حكامنا, أو لكتابة وثيقة مبايعة, أو قصيدة مدح في سموه.. لرفضت رفضا
قاطعًا» لأن
الله- سبحانه وتعالي- خلق دمي, ودم البشر لغير هذا العبث والسقوط.
قبل ميلاد
الميمونة
مصر تستورد حاليا أكثر من 75% مما يأكل أبناؤها, وما يلبسون. ولكنها
-للحق-
نجحت نجاحًا باهرًا- وبكرم زائد- في تصدير أمسخ, وأنتن, و«أهيف» هتاف
في
تاريخ العالم, وهو «بالروح, بالدم, نفديك يا فلان».
وأذكر أننا -ونحن تلاميذ في
المرحلة الابتدائية- أواخر الأربعينيات- كانت هتافاتنا من أجل مصر, وضد
الاستعمار
الانجليزي.. كنا نهتف: تحيا مصر.. مصر والسودان لنا.. الجلاء بالدماء..
الجلاء
الجلاء أو الموت الزؤام.. بيفن.. بيفن.. يسقط بيفن. وكنا نهتف بسقوط
فاروق بعد أن
طلق زوجته, وفاحت رائحة سلوكه السيئ وكنا نردد قول الشاعر:
مصر أمي, فداءُ أمي
حياتي
سلمت أمُّنا من العاديات
كما كنا نحفظ ونردد دائمًا بيتين من الشعر
كان الأستاذ علي الغاياتي -رحمه الله- يصدّر بهما صحيفته «منبر الشرق»,
وهما:
باسم الكتابة, واسم شعب ناهض
لا باسم أحزاب ولا زعماء
كلّ يزول وينقضي,
أما الحمي
فوديعة الآباء.. للأبناء
هتاف.. ولدته الميمونة
وبعد قيام
الميمونة سنة 1952 انتهت السيادة إلي الهتاف اللزج المنكود «بالروح
بالدم نفديك يا
فلان» بل كاد يكون هو الهتاف الوحيد علي الساحة المصرية, في بلد يحكمه
حزب واحد,
وحكام من العساكر, حرّموا علي الشعب التمتع بالحد الأدني من العدل
والطمأنينة
والديمقراطية.
ولم تقتصر هذه «التفدية» علي الحكام فقط, بل نزلت إلي من هم أقل
مرتبة ومستوي. وأذكر بهذه المناسبة أن الضابط الذي قاد الحملة العسكرية
علي «آل
الفقي» في كمشيش بتهمة قتل «المجاهد» (!!) صلاح حسين, أرغم أهل القرية
المرعوبين
المسحوقين علي أن يعلو صوتهم بالهتاف اللزج المنكود, فلما هتفوا
«بالروح بالدم
نفديك يا (وذكروا اسم الضابط قائد التجريدة العسكرية, وقد نسيت اسمه
للأسف), صرخ
فيهم «يخرب بيوتكم يا ولاد الـ(...) انتو حتودوني في داهية.. قولوا
الريس والمشير
أولا يا ولاد الـ(...)».. وأصبح الهتاف بعد تعديل مساره «بالروح بالدم
نفديك يا
جمال».. ثم.. نفديك يا مشير, وبعدها الضابط قائد التجريدة.
وأُخرج «آل الفقي»
-وهم
أشراف الناس- من بيوتهم وألبسوهم ملابس نسائية وصفوهم صفا واحد وأمروا
أن
يأخذوا «الوضع راكعًا» وأمر الضابط «الشهم جدًا» الأصيل ابن الأصول..
أمر بعض رجاله
أن يركبوهم, ويضعوا في فم كل منهم لجامًا.
وفي ظل هذا الهتاف اللزج النتن
المنكود حضرت «شاهندة مقلد» زوجة الشهيد (!!), وأخذت تبصق في وجوه «آل
الفقي»
المركوبين.. المغلوبين, وبحذائها أخذت تهوي علي وجوههم. وبدأ الفلاحون
الذين
أُرغموا علي الهتاف يتسللون إلي بيوتهم, والدموع تغسل وجوههم, فلآل
الفقي علي كل
منهم يد وفضل, وقد رأوا من آيات كرمهم الكثير والكثير..
روح.. ودم.. وتصفيق
ورقص!!
وأذكر أنني ضحكت طويلاً.. نعم ضحكت.. وضحكت, وضحكت.. كما يقول
الدكتور
المناضل محمد عباس, وأنا أري مجموعات أمنية بالزي المدني, التفّتٍ
بالأمر حول أحد
السادة الذين نازعوا إبراهيم شكري زعامة حزب العمل, وهم يهتفون باسمه
بهذا الهتاف
اللزج المنكود: بالروح بالدم نفديك يا (...) . والذي أضحكني أن هؤلاء
الذين كانوا
يهتفون معلنين أنهم علي استعداد لبذل أرواحهم ودمائهم فداء للزعيم
الجديد
(!!)..
أقول إن الذي أضحكني أنهم كانوا يهتفون علي وقع التصفيق المقسم الموزع
تبعًا
للكلمات, وعدد منهم يرقص بحرارة «عشرات» بلدي, علي وقع التصفيق
المقسّم. قلت سبحان
الله!! أيتفق هذا الرقص الماجن مع طبيعة هذا الهتاف الذي يقتضي
الحماسة, وتوهج
النفس, والتهاب الشعور؟ وما ذكرته آنفا يضع ايدينا علي السمة الأولي من
سمات هذا
الهتاف اللزج المنكود, وهي العبثية.
هتاف نفاقي.. كذاب
وزيادة علي عبثية هذا
الهتاف نراه هتافًا نفاقيًا كذابًا, لأنه لا يعكس في صدق «جُوّانية»
الهاتف, وعمقه
النفسي. فليس في الهتافين -وأقسم- واحد علي استعداد أن يقدم روحه أو
دمه أو ماله,
أو ولده فداء للمهتوف له. والواقع يؤكد هذه الحقيقة» ففي عهد السادات
-غفر الله له-
كان هذا الهتاف اللزج المنكود هو أشهر الهتافات, بل يكاد ينفرد بالساحة
كلها في
القري والمدن: بالروح.. بالدم.. نفديك يا سادات. ولم نسمع في عهده
الميمون, من
يهتف: بالروح, بالدم نفديك يا مصر.
ثم كان يوم المنصة.. يوم السادس من أكتوبر
1981,
وقد ضمت المنصة وما جاورها عتاة الهاتفين, وكبارهم ونقباءهم. وكان ما
حدث
اختبارًا ميدانيًا حيًا لمصداقية هذا الهتاف. والواقع يقول: ما إن بدأ
اطلاق الرصاص
علي السادات حتي حدث تنافس رهيب بين الحاضرين في الهرب, فمنهم من جري
بسرعة مذهلة,
ومنهم من «رقد» تحت الكراسي.
التفوق ألصدامي..
وإذا كنا نحن أصحاب الفضل في
تصدير هذا الهتاف اللزج المنكود, فإن العراق - في عهد صدام - سرق منا
«الكاميرا»,
وتفوق علينا في رفع الصوت بهذا الهتاف, لقد انتشر انتشارًا كبيرًا في
المدن والقري, والعشائر, زيادة علي البعثيين, وفدائيي صدام, هذا
الهتاف: بالروح
بالدم نفديك يا صدام.
فلما جد الجد, ونزل بالعراق ما نزل, اختفي صدام وحواريوه
وقادته, فمنهم من هرب, ومنهم من غدر وخان, ومنهم من استسلم, وسجل الشعب
العراقي
قدرة فائقة علي استعمال سلاح «الأحذية والشباشب» الموجهة إلي صور صدام
وتماثيله.
وهذا ما أعنيه بقولي إنه هتاف نفاقي كذوب. فيه تنافق الشعوب المفزوعة
المرعوبة
المسحوقة حكامها اتقاء شرهم
.
وهو هتاف كذوب, لأنه مجرد كلمات يلعب بها اللسان,
ولا مكان له عمليا في الواقع, إذا ما جد الجد, وكشر الخطب عن أنيابه,
فنري أعلي
الهتافين صوتًا, أسرعهم فرارًا, أو استسلامًا.
وما فيهم من يُفتدَي
لقد قلت
عن هؤلاء الكبار جدا في قصيدتي «رسالة إلي بغداد»:
كبار, ولكن صغار
العقول
وعارهمو يخجل الفرّقدا
طوال عراض, ولكنهمٍ
لنجدتنا لم يمدّوا
يدا
لهم صخب- لا تقل لي الطبول
وفيض ضجيج يغطي المدي
وكم قمة عقدوا
وانتهوٍا
وكل إلي الخُلف قد أخلدا
أراهم إذا نظروا للأمور
ضريرا وأعور أو
أرمدا
وما شغلتهم قضايا الشعوب
وعرض عليه العدو اعتدي
وما فيهمو راشد
يفتدي
وما منهمو عادل يفتدي
نعم علام يُفدي هؤلاء بالروح والدم بعد أن
أزهقوا أرواح الأبرياء, واستباحوا دماء أصحاب الرأي والعقيدة وهم الذين
زرعوا في
قلوب المواطنين الرعب والحيرة والقلق.
وهم الذين نهبوا أموال المواطنين باسم
الحراسة والمصلحة العامة.
وهم الذين مكنوا رجالهم وحوارييهم من أعناق العباد,
وأموال البنوك, فنهبوا منها ما يبني دولة جديدة من العدم.وهم
الذين أخرسوا
الألسنة, وقصفوا الأقلام, وخنقوا حرية التعبير.
وهم الذين داسوا علي الدستور,
وسنّوا من القوانين ما يهدد المواطنين في أرواحهم وأعراضهم وأرزاقهم
وأصبح الحاكم
هو الدولة, والدستور, والنظام.
وهم الذين تساهلوا, وتنازلوا, وانشغلوا بأنفسهم,
وأبنائهم حتي ضاعت فلسطين, وتعرض شعبها -في الرقعة الضيقة المحصور
فيها- لمذابح
يومية يروح ضحيتها العشرات وتنسف البيوت, ويغتال قادة الجهاد.
وهم الذين جعلوا
المواطن يعيش تحت خط الفقر, أما هم ورجالهم وحواريوهم ففي المتع
والملاذّ والرفاهية
يعيشون. فعلام يُفٍدي هؤلاء بالروح والدم؟؟!!
وأقول لحكام العرب..
يا سادتي..
يا حكام العرب: هل من حقي أن أطلب من كل منكم أن يصدر أمرًا سياديًا
بتجريم هذا
الهتاف اللزج المنكود وتحريمه؟ ولا تصدقوا أن واحدًا من شعوبكم
المضروبة المظلومة
المسحوقة علي استعداد لأن يفديكم بنقطة دم.إنها
كلمة الواقع المر الأسود الذي
تعيشه هذه الشعوب.. يا سادة.. يا حكامنا انظروا إلي ما حدث للعراق,
واعتبروا,
وادركوا أنفسكم قبل أن يُحاط بكم.. صالحوا ربكم يا حكام, وصالحوا
شعوبكم يا سادة,
و«طبّعوا» علاقتكم بها, أو سلموا مقاليد الحكم لمن تختاره الشعوب حكاما
وقادة لها,
في انتخابات حرة نزيهة. اسرعوا قبل أن تنزل بكم النكبة النكباء, في يوم
عبوس.. عبوس
قمطرير. فإني والله:
أري خَلَل الرمادً وميضَ نار ويوشك أن يكون له ضرام
***********