بين الحزب الوطني وجحا العبقري
 
د. جابر قميحة / مجلة المجتمع
خلاص خلاص، يا شعب مصر المحروسة، لم يعد عليك إلا أن تدعو للسلطان بالعمر المديد والعيش الرغيد، والبقاء السعيد؛ فقد قضي على الفقر والجهل والمرض، واختفت مشكلات الإسكان، والبطالة والخبز، والرشوة والتزوير.
وأصبح المجال خالياً تمامًا، والوقت متسعاً تمامًا.. للتغني بالعبور الثاني، وبعيد الديمقراطية، والانتصار النفسي والسياسي المبين، والشعور بالأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي، واستعادة الثقة بالنفس، واعتبار الذات
 
إنها العزيزة الغالية
كل ذلك، تحقق بالتعديل المفاجئ المذهل للعزيزة الغالية المادة 76، نعم مجرد تعديل في حدود كلمتين "حط: انتخاب أو اقتراع" و"شيل استفتاء".
والحقيقة أن هذا التعديل ك"لا تعديل"، ولن يسفر عن أي تغيير، وكأننا يا بدر، لا رحنا، ولا جينا. ولن يحقق هذا التعديل إلا نتيجتين:
1 الأولى: نتيجة مادية، وهي إهدار ملايين من مال شعبنا المسحوق، وذلك لزوم نفقات الاستفتاء على هذا التعديل (وطبعًا: النتيجة معروفة مقدماً فلن تقل عن 90%.. مع أنه لن يدلي بصوته أكثر من 1%).
2 والثانية: نتيجة نفسية: تتمثل في صدمة مُرة جديدة للشعب، حين يكتشف أن "الخلاف لفظي"، وأن المسألةً "كْلام في كلام"؛ فالناجح الوحيد سيكون الرئيس مبارك حتى لو ترشح أمامه مائة مرشح، فسيادته وراءه إمكانات ودعائيات وإعلاميات، وتركيزات عمرها ربع قرن، فهو الفارس الوحيد في الحَلبة.. ولا فارس غيره

التعديل الحقيقي المطلوب
أما التعديل الحقيقي الجاد المطلوب فأساسه تقليص سلطات رئيس الجمهورية، وهي سلطات لا حدود لها، ولا رقيب عليها:
1 فمن حقه أن يعين نائباً أو أكثر، ويحدد اختصاصاتهم، ويعفيهم من مناصبهم. والنائب يؤدي القسم أمام الرئيس وحده.
2 وهو الذي يعين رئيس مجلس الوزراء ونوابه، ويعين الوزراء ونوابهم، ويعفيهم من مناصبهم.
3 وله الحق في حضور جلسات مجلس الوزراء، ورياسة جلساته، وطلب تقرير من الوزراء.
4 وهو الذي يعين الموظفين المدنيين والعسكريين، والممثلين السياسيين، ويعزلهم من مناصبهم.
5 وهو الذي يصدر اللوائح، وله الحق في تفويض غيره في إصدارها.
6 وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لإنشاء وتنظيم المرافق العامة.
7 ومن حقه إصدار قرارات بقوة القوانين في غيبة مجلس الشعب.
8 وهو الذي يعلن حالة الطوارئ.
9 وله الحق في العفو عن العقوبة أو تخفيفها.
10 وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ويعلن حالة الحرب.
11 وهو القائد الأعلى لجهاز الشرطة.
12 وهو الذي يبرم المعاهدات.
13 وهو الرئيس الأعلى للمجلس الأعلى للقضاء

 
ضوابط أم تعجيز؟!
لقد وُضع ما يسمى "ضوابط" لتنظيم عملية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، منعاً للفوضى والعبث. هكذا قالوا: ولكن الواقع يقول: إنها شروط "تعجيزية": فلابد من حصول من يتقدم للترشح على موافقة عدد من أعضاء مجلس الشعب وأعضاء مجلس الشورى، وأعضاء المحليات.. أي لابد من موافقة "الحكومة"، زيادة على موافقة عدد كبير من أفراد الشعب. وبهذا التعجيز "كل شيء انكشفَنْ وبان" كما كان يقول الممثل عبدالمنعم مدبولي، وبذلك كما قلت آنفًا يكون التغيير لفظيًا. و"كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا".

رحم الله جحا..
وأقول رحم الله جحا، وشكراً للحزب الوطني إذ ذكروني بهذه الشروط التعجيزية بواقعة مشابهة بطلها "عمنا جحا" وخلاصتها: أن رجلاً يسمى (أبا العلاء الربعي) قال لجحا: أما تخجل من نفسك إذ تكون أضحوكة للناس وخصوصاً العلية منهم!!؟
قال جحا: إنما أسايرهم راضياً، وغداً في سوق بغداد سأريك كيف أسخر منهم جميعًا.
وفي صباح اليوم التالي: ذهب جحا إلى السوق ببغلته الفارعة، وقد علّق في عنقها "فردة" حذاء قديمة. ونادى: أيها الناس، من يشتري هذه البغلة بدينار واحد؟؟ فاندفع إليه الناس: عِلْيتهم وسوقيّوهم، كلّ يريد أن يفوز بها، وكاد يقع بينهم قتال شرس. فقال جحا: ولكنْ هناك شرط واحد: إن على من يشتري البغلة أن يشتريَ معها فردة الحذاء. فصرخ الناس في نفَس واحد: وبكم فردة الحذاء؟ فأجاب: بعشرة آلاف دينار".
ورحم الله جحا وشرطه التعجيزي. وشكراً لقادة الحزب الوطني: حزب الأغلبية (!!!) وشروطهم التعجيزية الرائعة

 







 

 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter