
لوجه الوطن
عبد الحليم قنديل/ العربي
الموقف الوحيد الذى يستحق الوصف الديمقراطى هو مقاطعة انتخابات
الرئاسة المقررة فى أواخر سبتمبر المقبل، والسبب بسيط، فهذه ليست
انتخابات تنافسية بالمعنى المفهوم، إنها مجرد استبدال للاستفتاء
المقنع بالاستفتاء الصريح، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جئنا، فقبل
تعديلات المادة 76 من الدستور كان استفتاء الرئاسة صريحا بمرشح
وحيد حصرا، وبعد الصياغات العبثية للتعديلات انتهينا إلى وضع
الاستفتاء المقنع بمرشح وحيد غالب، فالتعديلات مفصلة بالضبط على
مقاس الرئيس مبارك ونجله، إنها لعبة رجل واحد، صحيح أنها تفتح
منفذا مؤقتا لترشيح أشخاص من الأحزاب المعترف بها رسميا، لكن
الأحزاب ذات الأسماء الكبيرة لا تبدو فى أغلبها مستعدة للعب أدوار
الكومبارس ...
ولا تتبقى من إمكانية مؤكدة لتقديم مرشحين سوى من الأحزاب المسماة
تدليلا بـالأحزاب الصغيرة، وهى ليست أحزابا من أصله، فهى على
الأرجح منشآت ذات نفع خاص، وثقلها أخف من وزن الريشة، وتأثيرها
أوهى من جناح البعوضة، وقد لا يُستبعد أن تنتهى القصة بكوميديا
سوداء حقا، كأن تقدم الأحزاب إياها مرشحين للرئاسة تشتط دعايتهم
الانتخابية المعارضة فى تأييد وتمجيد الرئيس مبارك، والإغراء ظاهر،
فقد وعدت دولة الرئيس مبارك بنصف مليون جنيه لكل مرشح يعقلها
ويتوكل ويتقدم إلى دور الكومبارس، أى أننا بصدد أوكازيون رئاسى
وفرصة سانحة لترقيات طبقية مفاجئة، فرصة لانتقال رؤساء أحزاب
الأنابيب من فئة المديونيرات إلى طبقة الميلونيرات، ولا خوف من
رقابة قررها قانون انتخاب رئيس الجمهورية منتهيا بأمرها إلى لجنة
الانتخابات الرئاسية، فالدفاتر دفاتر دولة الرئيس واللجنة لجنتها،
صحيح أن نصف أعضاء اللجنة العشرية من القضاء، لكن هؤلاء مع عظيم
الاحترام لا يملكون أمر الحل والعقد، فقد اشترط قانون انتخابات
الرئاسة موافقة سبعة من أعضاء اللجنة على كل قرار أو إجراء، وهو ما
يعنى أن موافقة إخوة من الشخصيات العامة الخمس شرط لازم، وهؤلاء
الأخيرون سوف يجرى تعيينهم بقرار ضمنى من الرئيس مبارك، والقول بأن
تعيينهم سوف يجرى عبر مكتبى مجلسى الشعب والشورى نوع من الهزل فى
موضع الجد، تماما كأن يقال لك إن تعيينات رؤساء مجالس إدارات
وتحرير الصحف القومية يتم فى اللجنة العامة لمجلس الشورى، فالراكب
والماشى والعجل فى بطن أمه يعرف أنها قرارات تنزل رأسا من مكتب
الرئيس مبارك ...
والمعنى: أن لجنة الانتخابات الرئاسية بطريقة اتخاذ القرار فيها هى
مجرد تشكيل إدارى يصدر بأمر رئاسى، والأعجب: أن اللجنة ذات القرار
الإدارى فى رجحانه قد جرى تحصينها وتنزيهها عن التأويل أو التعقيب
القضائى، أى أن سيادة اللجنة من سيادة الرئيس الذى أنشأها، كلاهما
فوق الرقابة وفوق المساءلة، أى أن فى القصة كلها شذوذا ودوسا
لكرامة المبادئ الدستورية، وميلا عظيما إلى استحمار الشعب المصرى،
أضف: أن لعبة الانتخابات الرئاسية إياها تكاد تستبعد حق الترشيح
الجدى ومبدأ المساواة البديهى فى دولة لها دستور، فهى تقصر حق
الترشيح بلا شروط هذه المرة على أعضاء الهيئات العليا أو ما
يعادلها للأحزاب المعترف بها رسميا، وبتشكيلها الذى كان قائما قبل
العاشر من مايو الماضى، وعدد هؤلاء الموعودين بجنة الترشيح لا يزيد
عن 300 مصرى، أى أن 300 شخص لا غير امتازوا بحق حٌُجز بشروط
التعجيز عن بقية ال 72 مليون مصرى، أى أن المصريين تحولوا فى
أغلبهم الساحق إلى شعب من المنبوذين بالأمر الرئاسى، والأعجب أن
الرئيس الذى يحتقر وينبذ شعبه بهذه الطريقة الكاريكاتورية يطلب
أصواته وتأييد ه فى الوقت نفسه، وكأننا من بقية أملاك سيادته، وقد
أغراه بنا أنه ظل فوق الرقاب لأربع وعشرين سنة ينوى تمديدها إلى
الثلاثين، وربما يطمع فى توريث الرئاسة لنجله إلى ثلاثين سنة أخرى،
وأبسط رد على مهانة التمديد فالتوريث أن نقاطع لعبة الرئاسة
العائلية، وأن نسحب عنها مشروعية المشاركة بالتصويت أو الترشيح،
والبديل: عصيان سياسى فعصيان مدنى سلمى ينهى حكم العائلة التى ليست
مقدسة ..!!
|