
أنواع البشر
حسن البنا
-----
" قُلْ إِنَّ
صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"
الناس رجلان:
رجل يعمل ما
يعمل من الخير
،
أو يقول ما يقول من الحق ، وهو يبتغى بذلك الأجر العاجل ،
والمثوبة الحاضرة ، من مال يجمع ، أو ذكر يرفع ، أو جاه يعرض
ويطول ، أو لقب ومظهر يصول به ويجول:
"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ
الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"
(آل
عمران:14).
ورجل يعمل
ما يعمل ويقول
ما يقول لأنه يحب الخير لذاته ، ويحترم الحق لذاته كذلك ،
ويعلم أن الدنيا لا يستقيم أمرها إلا بالحق والخير ، وأن الإنسان
لا تستقيم إنسانيته كذلك إلا إذا رصد نفسه للحق والخير:
"وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلا الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"
(العصر:1-3) ولأنه يحب الله ويخشاه
ويرجوه ، ويقدر نعمته ـ عليه في الوجود والقدرة والإرادة والعلم
وسائر ما منحه إياه ، ففضله بذلك على كثير ممن خلق تفضيلا ، وهو
يعلم أن الله قد أمر بالخير فقال:
"وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"
(الحج:77) ، وأوصى بالثبات على الحق ،
فقال:
"فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ
الْمُبِينِ"
(النمل:79) ، فهو لهذا يرجو ما عند الله ، ويبتغى
بقوله وعمله مرضاته وحده
-
وقد يرتقى به هذا الشعور
فيرى أن كل ما سوى الله باطل ، وكل ما عداه زائل ، فمن وجده فقد
وجد كل شيء ، ومن فقد شعوره بربه فقد فقد كل شيء:
"هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ
وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"
(الحديد:3) ، فهو لهذا لا يرى أحدا غيره حتى يولى إليه وجهه ، أو
يصرف نحوه حقه وخيره:
"فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ
نَذِيرٌ مُبِينٌ" (الذريات:50) ،
"وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ
الْمُنْتَهَى" (لنجم:42) ، أو لأنه يعلم أن هذه الدنيا فانية زائلة
، وكل ما فيها عرض حقير ، وخطر يسير ، من ورائه حساب عسير ، وأن
الآخرة هي دار القرار ، فهو يزهد كل الزهادة في الجزاء في هذه
الدنيا ، ويرجوه في الأخرى.
-
فالمال إلى ضياع وورثة
، والجاه إلى تقلص ونسيان ،
والعمر إلى نفاد وانقضاء مهما طال:
"مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا
عِنْدَ اللهِ بَاقٍ" (النحل:96) ،
"وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى"
(الأعلى:17) ، وهو يرجو المثوبة نعيما في الجنة مع النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولثك رفيقا
ومن الناس قسم ثالث يود أن يأخذ من
هذه وتلك ، وقلما يستقيم له الأمر ، فهما ضرتان إن أرضيت أحداهما أغضبت الأخرى ، وكفتا
ميزان إن رجحت واحدة شالت واحدة. على أن المقطوع
به أن من أراد الدنيا وحدها خسر الآخرة ، ومن أراد الآخرة حازهما
معا، وصح له النجاح فيهما جميعا ، ومن خلط بينهما كان على خطر
عظيم:
"مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا
مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ
يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ
وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ
سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً"
(الاسراء:18-19)
-
ومن هنا آثر الصالحون من عباد الله في كل زمان ومكان أن يتجردوا
للغايات العليا،
ويصرفوا نياتهم ومقاصدهم وأعمالهم وأقوالهم إلى
الله جل وعلا ، متجردين لذلك من كل غاية ، متخلصين من كل شهوة:
"وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ حُنَفَاءَ" (البينة:5)
-
ومن هنا قرأنا في تاريخنا
قصة ذلك الذي عثر على حق من الجوهر الغالي الثمين في القادسية
، فقدمه إلى الأمير طائعا ، فعجب من أمانته وقال: (
إن رجلا يتقدم بمثل هذا لأمين ، ما اسمك؟
حتى أكتب به إلى أمير المؤمنين فيجزل عطاءك ، وينبه اسمك) فقال
الرجل: ( لو أردت وجه أمير المؤمنين
ما جئت بهذا ، وما وصل علمه إليك ولا إليه ، ولكن أردت وجه
الله الذي يعلم السر وأخفى ، وحسبي علمه ومثوبته). وانصرف ولم
يذكر اسمه،
وآثر ما عند
الله على ما عند الناس
وأمثال ذلك كثير في
تاريخنا الزاخر بمعاني التجرد للخير والحق والعمل الصالح
ابتغاء مرضاة الله ، فهل تستقيم الأمور على هذا النهج القويم ؟
...... اللهم آمين