
إذا انتحر الرئيس...!!
بقلم الكاتب الصحفي: عماد عفانة - حماسنا
لم تكن الزوبعة التي أثارتها التوصية التي خرجت من اللجنة التنفيذية
للمنظمة في اجتماعها الموسمي الأخير، بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية
مبكرة في الأراضي الفلسطينية، الأولى التي تعصف بالساحة الفلسطينية،
ومن غير المرجح أن تكون الأخيرة، عوضا أن تتسبب هذه الزوبعة بجملة من
العواصف السياسية الساحقة.
غير أني وبعد نظرة معمقة لم أرى في احتمال أخذ فخامة الرئيس بهذه
التوصية غير الملزمة بالدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة إلا
انتحارا سياسيا للرئيس وللتيار الذي يمثله وهو التيار الذي يؤمن
بالتسوية والسلام كخيار استراتيجي، وبالمفاوضات فقط طريقا وحيدا للوصول
إلى السلام، الأمر الذي يتناقض كليا مع التيار الذي تقوده حركة حماس
الذي لا يؤمن بالتسوية ولا بالسلام كخيار استراتيجي مع إمكانية الوصول
إلى تهدئة أو هدنة كخيار تكتيكي إلى حين، ولا يؤمنون إلا بالمقاومة
كخيار استراتيجي للوصول الحقوق والسلام الحقيقي.
وللتدليل على ذلك دعونا نستعرض بعجالة بعض الأحداث التاريخية التي مرت
بالشعب الفلسطيني:
أولا: كان الشعب الفلسطيني في
الضفة والقطاع على الأقل يعيش في ظل دولة
الاحتلال في بحبوحة ورغد من العيش وكانت كل الطرق والمعابر
مفتوحة أمامهم.
رغم ذلك ثار الشعب الفلسطيني فيما بات
يعرف لاحقا بالانتفاضة التي كانت شرارتها ارتقاء سبعة من الشهداء دهسا
بمقطورة إسرائيلية.
وكلنا يعلم أن إسرائيل وربما عن غير قصد هيأت الأرضية لهذه الانتفاضة
عبر سلسلة من عمليات القمع والاستفزاز للفلسطينيين على أيدي جنود لواء
قفعاتي حيث كانوا يجبرون الناس على الرقص في الشوارع وعلى تقبيل أدبار
الدواب.
وركبت كل القوى والفصائل المعروفة وغير المعروفة ومنها حماس موجة الهبة
الشعبية وعملت على استمرارها لتتطور وتمتد لتشمل كل الضفة والقطاع
ولتأخذ اسمها الجديد الذي لم يكن معروفا ولا موجودا في قواميس اللغة
الأجنبية ألا وهو الانتفاضة.
ثانيا: تمكن الرئيس الراحل ياسر
عرفات من توظيف الانتفاضة الفلسطينية
التي مرت علينا ذكراها التاسعة عشرة قبل يومين، وبعد مرور سبع أعوام
على انطلاقتها للدخول في مفاوضات التسوية مع إسرائيل والتي بدأت بمؤتمر
مدريد مرورا باتفاقات أوسلو وواي بلانتيشن وكامب ديفيد وطابا والقاهرة
والتي ربما لم تنتهي حتى يومنا هذا.
وحصلت المنظمة بموجب هذه الاتفاقات المرحلية على إقامة أول كيان
فلسطيني سمي غزة أريحا أولا وتطور لتصبح
السلطة القائمة على كل الضفة وغزة مع
جيوب استيطانية كبيرة فيهما.
الراحل عرفات الذي ربما كان ذو نوايا صادقة حيال صنع سلام حقيقي اصطدم
بتراجعات إسرائيل عن المتطلبات المؤلمة لتسوية شاملة للقضية الفلسطينية
والتي حاولت لفلفتها على عرفات في كامب ديفيد، وتوقفت بعد إدراكه
لأبعاد اللعبة ورفضه للتنازل.
فحسم الرئيس عرفات أمره وأطلق شرارة انتفاضة الأقصى التي استحقت عن
جدارة اسم انتفاضة الرئيس.
هذه الانتفاضة التي مازلت مستمرة رغم تغير وتطور معالمها كانت شئنا أم
أبينا انتحارا سياسيا ثم جسديا للرئيس عرفات، وهذه الحقيقة أكدتها
مقولة عرفات الخالدة بعد أن أدرك انه لم يعد خيارا سياسيا مقبولا
"يريدونني أسيرا أو طريدا أو قتيلا، وأنا أقول
لهم بل شهيدا شهيدا شهيدا".
ثالثا: قتل الرئيس عرفات مسموما،
وانتخب الرئيس محمود عباس في انتخابات قاطعتها حركة حماس.
وحاول الرئيس عباس استئناف مفاوضات التسوية متعلما من أخطاء المرحلة
الماضية، فأدرك أن عليه يمهد الطريق لهذه
المفاوضات باحتواء حركة حماس، واختار الحل السلمي لاحتواء حماس
بعد أن فشل الحل الأمني في ذلك، فقرر عباس أن ذلك ربما يأتي عبر إجراء
انتخابات بلدية وتشريعية، وأصر الرئيس عباس على إجرائها رغم الكثير من
الاعتراضات داخل حركة فتح.
وأثبتت نتيجة هذه الانتخابات أن قرار عباس بإجرائها كانت بمثابة
المقدمات لانتحار الرئيس عباس سياسيا خصوصا بعد الإصرار الشديد من حماس
على عدم إبداء أي تنازلات لجهة الاعتراف بإسرائيل أو بالقرارات الدولية
التي تمس الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وذلك رغم الأشهر الطويلة من
الحصار المالي والسياسي والأمني الداخلي والخارجي التي تعرضت له
حكومتها.
رابعا: استدعى الرئيس عباس
اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي
يسيطر عليها التيار الامريكي لترجح إحدى توصيات اللجنة الرئاسية التي
شكلها لبحث خيارات الخروج من المأزق الذي تمر فيه القضية الفلسطينية،
وبعد أن أدرك أن حكومة الوحدة الوطنية التي تريدها حماس لن تعيد وضع
القضية الفلسطينية على سكة قطار التسوية مجددا.
وكانت التوصية التي خرجت بها للجنة التنفيذية كما يعلم الجميع هو
الدعوة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة،
الأمر الذي اعتبر في ظاهره مأزقا كبيرا لحركة حماس، غير أنه في الحقيقة
يمثل فرصة كبيرة لحركة حماس وانتحارا سياسيا
لرئيس عباس، وذلك للاعتبارات التالية:
1- إسرائيل في وضعها الحالي هي دولة خرجت
خاسرة من منازلة حربية غير متكافئة على أيدي المقاومة في لبنان، وما
زالت لم تخرج بعد من آثار الصدمة النفسية والاجتماعية والهزة الكبيرة
التي سببتها هذه الخسارة.
2- إقرار إسرائيل بفشلها الذريع في وقف إطلاق
الصواريخ من قطاع غزة على مغتصباتها المحيطة بقطاع غزة، وتلهفها
على التهدئة التي أعلنتها الفصائل في الأراضي الفلسطينية –الضفة
والقطاع- رغم أن العدو واصل جرائمه في الضفة، إلا انه وحرصا على
استمرار التهدئة أمرت القيادة السياسية الجيش بالابتعاد عن أي خطوات
استفزازية تجاه الفلسطينيين، رغم استمرار عمليات الاعتقال في الضفة.
3- توصية لجنة هاملتون بيكر مؤخرا
بالوصول إلى حلول سياسية للقضية الفلسطينية كأحد أهم أسباب التوتر في
الشرق الأوسط وصولا إلى الوصول إلى حلول سياسية لمشكلة العراق ولاحقا
لمشكلة سوريا وإيران.
4- الضعف الذي أصاب الموقف الأمريكي في
المنطقة والتي كان من تداعياته إقالة وزير الدفاع رامسفيلد والسفير في
الأمم المتحدة جون بولتون، الأمر الذي يؤشر إلى تغيرات سياسية في
التوجهات الأمريكية أملاها فوز الديمقراطيين في انتخابات مجلسي
الكونجرس والنواب مؤخرا.
5- الاختراق في المواقف الأوروبية الذي
أحرزته حماس خصوصا بعد الجولة التي قام بها وفد رفيع من الحركة في عدد
من الدول الأوربية لتسويق إمكانية الهدنة الطويلة مع إسرائيل مقابل
دولة في الـ 67 وعاصمتها القدس وإعادة اللاجئين ودون الاعتراف بإسرائيل،
الأمر الذي تجاوبت معه الدول الأوروبية التي طالبت بإنهاء الحصار
الظالم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وغني عن القول أن حجم المساعدات
الأوربية تضاعفت هذا العام عنها في الأعوام السابقة.
6- الصدى الايجابي الذي أحدثه في العالم الأوروبي
الكتاب الذي أصدره الرئيس الأمريكي
الأسبق جيمي كارتر والذي أعلن فيه أن الحصار الذي يتعرض لها
الفلسطينيون حصار ظالم وأنهم يتعرضون لعنصرية اشد من عنصرية جنوب
أفريقيا.
7- التحذير الذي أطلقه كل من الملك عبد الله
ومجلس التعاون الخليجي من أن المنطقة أصبحت كبرميل بارود قابل
للانفجار ربما تهدد عروشهم والمصالح الأمريكية في المنطقة إن لم تحل
القضية الفلسطينية ولو حلا مرحليا.
8- التهديد المتكرر الذي يطلقه رئيس المكتب السياسي لحماس
بإطلاق انتفاضة ثالثة في حال رفضت
إسرائيل إقامة دولة فلسطينية في حدود 67، الأمر الذي بات حلا مقبولا
أوروبيا وربما أمريكيا لاحقا حفاظا على مصالحها في العراق والخليج.
خامسا: في ظل الاعتبارات
والتوجهات الدولية السابقة، وإضافة إلى افتقار توصية اللجنة التنفيذية
للشرعية القانونية والدستورية في ظل الأغلبية التي تتمتع بها حماس، فان
المشكلة يمكن أن تتطور بالاتجاهات التالية:
1- إن لم يأخذ الرئيس عباس بتوصية اللجنة التنفيذية، وإذا لم يدعو في
خطابه المنتظر إلى انتخابات مبكرة، فإننا سنعلم أن قرار التنفيذية كان
بمثابة محاولة لتقوية أوراق الرئيس وخياراته، تماما كما كان لوح سابقا
بإجراء استفتاء لإجبار حماس على الموافقة على وثيقة الأسرى التي نجحت
حماس والفصائل في تعديلها وتطويرها لتصبح وثيقة الوفاق الوطني.
2- وعليه فسيفتح ذلك باب الحوار مجددا خصوصا بعد التمسك الشديد
والتفاؤل الذي أبدته حماس بنجاحه، ولن يكون أمام الرئيس عباس إلا
التوصل إلى حكومة وحدة وطنية بمواصفات فلسطينية
ستفتح جميع الأبواب المغلقة أمام حماس على حساب أبواب البدائل السياسية
الأخرى التي أثبتت فشلها في الساحة الفلسطينية، وهو ما سيعتبر انتحارا
سياسيا للرئيس عباس وللتيار والخيار السلمي الذي يمثله.
3- أما إذا اخذ الرئيس بتوصية اللجنة التنفيذية ودعا في خطابه المنتظر
لانتخابات مبكرة، فمن غير المنتظر أن تتعاطى حماس مع هذه الدعوة التي
أعلنت مسبقا رفضها لها.
4- قد يلجأ الرئيس عباس لإجبار حماس على التعاطي مع قراره إلى دفع
أجهزته الأمنية للسيطرة بالقوة على كل مفاصل السلطة ووزاراتها
ومؤسساتها بكل ما قد يجره ذلك من تبعات اقلها اشتباكات مسلحة قد تتطور
لحرب أهلية لا أحد يريدها.
5- حينها قد تلجأ حماس وللخروج من مأزق قرار الرئيس وتجنبا لخيار
الصدام الداخلي، ولنقل المعركة من الساحة الداخلية إلى الساحة الحقيقية
بالتوجه إلى الانتفاضة الثالثة التي بشر
بها خالد مشعل، والتي وحسب التطورات الميدانية التي تحضرها حماس على
الأرض ستأخذ شكلا وطابعا آخر، وربما ستستخدم فيها وسائل وتكتيكات
عسكرية وقتالية أخرى.
6- وهذا ما لا تريده إسرائيل، ولا حليفتها
أمريكا، ولا حتى الدول الأوروبية الأمر الذي قد يدفع أمريكا
لإجبار الرئيس عباس للتراجع عن قراره، أو على الأقل وللخروج بماء وجهه
الاكتفاء بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة لن يرشح الرئيس عباس فيها نفسه
مرة أخرى، وقد تفوز فيها حركة حماس، ليصبح تعامل أمريكا وإسرائيل
وأوربا مع حماس تعاملا إجباريا لانعدام
البدائل السياسية على الساحة الفلسطينية، وعليه تصبح إمكانية إبرام
تهدئة طويلة الأمد مع إسرائيل دون الاعتراف بها مقابل دولة فلسطينية
كاملة السيادة في الـ 67 وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين إمكانية قابلة
للتحقيق.
وعليه وفي كل الأحوال وسواء عاد الرئيس عباس للحوار لتشكيل حكومة
وحدة وطنية بمواصفات فلسطينية، أو دعا إلى الانتخابات المبكرة، فان
النتيجة السياسية بالنسبة لحركة حماس واحدة،
انتحارا سياسيا للرئيس عباس وازدهارا سياسيا لحركة حماس
¤¤¤¤¤¤¤¤