مقدمة:
ما حدث ليلة السادس عشر من أيلول، كان من الفظاعة بحيث يكاد
لا يصدق: آلاف الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين
واللبنانيين، من سكان مخيمي صبرا وشاتيلا، يقتلون في مجزرة
وحشية، اشمأز لها العالم، وتسببت بانهيار حكومة مناحيم بيغن في
الكيان الصهيوني، ولكن أيا من المجرمين الذين تولوا إصدار
الأوامر أو تنفيذها لم يقدم للمحاكمة بعد !
خليط من الجزع والرعب انتاب من تلقوا الأنباء الأولى عن
المجزرة، رغم التباسها آنذاك، فالآليات التي كانت تجوب الشوارع
المحيطة بالمخيمين، ليلة السادس عشر من أيلول 1982، حاملة
مسلحين مقنعين، كانت تؤمن الحماية لمئات من المسلحين الذين
توغلوا في بعض أحياء صبرا وشاتيلا، مزودين بأسلحة كاتمة للصوت
وبلطات وسكاكين، أمعنوا بواسطتها فتكا بأسر كانت تظن أنها
آمنة.
الجريمة التي بدأت تحت جنح الظلام لم تلبث أن انكشفت مع تمكن
بعض المصابين من الفرار، لكن انكشافها لم يوقفها، ولم يحل دون
مواصلة القتلة تنفيذ مجزرتهم الوحشية طوال ثلاثة أيام بإشراف
وحماية ومشاركة قوات الاحتلال الصهيونية.
الرقم الدقيق للضحايا ظل مجهولا، وإن كان الرقم التقريبي يشير
إلى أنهم (الآلاف)...؟، فالقتلة كدسوا جثث الضحايا في مقابر
جماعية لم تكن كافية لاستيعابهم، ولذا ظلت جثث أخرى مكدسة في
الشوارع وداخل المنازل، فيما كدس المسلحون عدد من بقوا أحياء
في شاحنات اقتادتهم إلى مصير ما زال مجهولا حتى الآن.
أصداء المجزرة في عواصم العالم اضطرت الكيان الصهيوني الذي
كانت قواتها تحتل بيروت، إلى إنشاء لجنة للتحقيق في المجزرة
برئاسة إسحق كاهانا رئيس المحكمة العليا، وحدد مجلس الوزراء
الصهيوني مهمة تلك اللجنة بقوله إن "المسألة التي ستخضع
للتحقيق هي جميع الحقائق والعوامل المرتبطة بالأعمال الوحشية
التي ارتكبتها وحدة من "القوات اللبنانية" ضد السكان المدنيين
في مخيمي صبرا وشاتيلا" فانطلق التحقيق مستندا إلى تحميل
"القوات اللبنانية" المسؤولية - من دون غيرها - عن المجزرة،
ومستبعدا المشاركة الصهيونية فيها، وأيضا مشاركة أطراف أخرى
كقوات سعد حداد، ولذا كان متوقعا أن تأتي نتائج التحقيق عن
النحو المعلن آنذاك، مكتفيا بتحميل الصهاينة مسؤولية "الإهمال"
أو "سوء التقدير" !!!
بعد 19 عاما على المجزرة، ما تزال
مشاهدها المروعة حية في ذاكرة من عاشوا قساوة تلك الأيام وما
يحتفظون به حكايات عن أهوالها.
نعود لوقائع المذبحة
مع ليل السادس عشر من أيلول 1982 استباحت مجموعات ذئبية مخيم
شاتيلا وحي صبرا المجاور وفتكت بالمدنيين ومهما تضاربت
المعلومات عن حقيقة ما جرى صبيحة ذلك اليوم وفي اليوميين
التاليين فان من المؤكد أن هذه المجزرة كانت جزءا من خطة مدبرة
أعدها بأحكام وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك اريئيل شارون
ورفائيل ايتان رئيس الأركان الإسرائيلي وجهات محلية أخرى في
طليعتها القوات اللبنانية وكان ثمة اجتماع منعقد في مقر القوات
اللبنانية في الكرنتينا قوامه على ذمة المصادر في تلك الفترة
اريئيل شارون وامير دروري وايلي حبيقة رئيس جهاز الأمن في
القوات اللبنانية واقر في هذا الاجتماع الإسراع في إدخال
مجموعات من أفراد الأمن الى مخيم شاتيلا وبالفعل بدأت هذه
المجموعات في تجميع أفرادها ومعداتها في مطار بيروت الدولي
استعدادا لساعة الهجوم وما أن أطبقت العتمة على المخيم ومحيطه
حتى راحت القوات الإسرائيلية تلقي القنابل المضيئة فوق مسرح
العمليات وفي هذه اللحظات بالتحديد كان أفراد القوات اللبنانية
يطبقون على سكان المخيم الغارقين في ليلهم وبؤسهم وعندما
استفاق العالم على هول ما جرى في هذه البقعة المنكوبة كان
العشرات من الذين نجوا من المذبحة يهيمون على وجوههم ذاهلين
تائهين وقد روعتهم المأساة وتركت في نفوسهم ندوبا من الأسى
الأليم بعدما فقدوا كل شيء إباءهم وامهاتم واخوتهم وأطفالهم
وزوجاتهم وبيوتهم وصور الأحبة وأشياءهم الأليفة ولم يتبقى لهم
إلا غبار الشوارع وأنقاض المنازل المهدمة .
لقد احكمت الآليات الإسرائيلية اغلاق كل مداخل النجاة للمخيم
وكان الجنود الإسرائيليون يهددون الفارين من الرجال والنساء
والأطفال بإطلاق النار عليهم في الحال لقد اجبروا على العودة
ومواجهة مصيرهم وفيما اجمع المراقبون والمصورين والأجانب
العاملون في الهلال الأحمر والمؤسسات الدولية على قول الصحافي
الإسرائيلي امنون كابيلوك " بدأت المذبحة سريعا تواصلت دون
توقف لمدة أربعين ساعة " وخلال الساعات الأولى هذه قتل أفراد
الميليشيات الكتائبية مئات الأشخاص ، لقد أطلقوا النار على كل
من يتحرك في الأزقة لقد أجهزوا على عائلات بكاملها خلال
تناولها طعام العشاء بعد تحطيم أبواب منازلها كما قتل كثير في
أسرتهم وهم نيام وقد وجد فيما بعد في شقق عديدة أطفال لم
يتجاوزا الثالثة والرابعة من عمرهم وهم غارقون في ثياب النوم
وأغطيتهم مصبوغة بدمائهم وفي حالات كثيرة كان المهاجمون يقطعون
أعضاء ضحاياهم قبل القضاء عليهم لقد حطموا رؤوس بعض الأطفال
الرضع على الجدران، أما في بعض الحالات فقد سحب الرجال من
منازلهم واعدموا في الشارع لقد نشر أفراد الميليشيات الرعب وهم
يقتلون بواسطة البلطات والسكاكين ودون تمييز لقد كان المستهدف
بالضبط المدنيين الأطفال نساء وشيوخ ببساطة ثم استهداف كل ما
هو يتحرك لقد عمد القتلة في الليلة الأولى الى القتل الصامت
بدون ضجيج فقلما استخدموا أسلحتهم النارية حتى لا يشعر
اللاجئون العزل بما يجري ويقومون بالفرار .
ناجون من المجزرة يروون وقائع محفورة في ذاكرتهم :
تقول أم غازي يونس ماضي إحدى الناجيات من المذبحة "اقتحموا
المخيم الساعة الخامسة والنصف يوم 16 سبتمبر، ولم نكن نسمع في
البداية إطلاق رصاص، فقد كان القتل يتم بالفؤوس والسكاكين،
وكانوا يدفنون الناس أحياء بالجرافات، هربنا نركض حفاة والرصاص
يلاحقنا ، وقد ذبحوا زوجي وثلاثة أبناء لي في المجزرة، فقد
قتلوا زوجي في غرفة النوم وذبحوا أحد الأولاد، وحرقوا آخر بعد
أن بتروا ساقيه، والولد الثالث وجدته مبقور البطن، كما قتلوا
صهري أيضا".
تروي أم محمود جارة أم غازي ما شهدته قائلة " رأيتهم يذبحون
فتاة وهي حامل مع زوجها وابنة خالتي خرجت من المنزل فأمسكوا
بها وذبحوها في الشارع ثم ذبحوا ولدها الصغير الذي كان في
حضنها"، ويقول غالب سعيد وهو من الناجين "تم إطلاق قذائف
مدفعية على المخيم أولا، كان القتل يتم بأسلحة فيها كواتم صوت،
واستخدموا السيوف والفؤوس ، وقتلوا شقيقي وأولادي الأربعة، كما
تعرضت عدة فتيات للاعتداء عليهن".
أما منير أحمد الدوخي وكان يومها طفلا عمره 13 عاما، نجا رغم
محاولات ثلاث لقتله، فيقول إنه وضع تحت مسؤولية مسلحين يلبسون
ملابس قذرة ولا يحسنون الحديث بالعربية وذلك مع مجموعة أخرى من
النساء والأطفال الذين سحبوا من بيوتهم، وقد أطلقوا النار على
النساء والأطفال فأصبت بقدمي اليمنى ، وأصيبت والدتي بكتفها
وساقها، وتظاهرت بالموت بعدما طلبوا من الجرحى الوقوف لنقلهم
إلى المستشفى، لكنهم أطلقوا عليهم النار جميعا من جديد ، فنجوت
من محاولة القتل الثانية أيضا، غير أن أمي كانت قد فارقت
الحياة، وصباح اليوم التالي أطلقوا علي النار عندما وجدوا أنني
لا زلت حيا فأصابوني وظنوا بأنني قد مت فتركوني".
وتقول سنية قاسم بشير "قتل زوجي وابني في المجزرة، وأفظع
المشاهد التي شاهدتها كان منظر جارتنا الحاجة منيرة عمرو، فقد
قتلوها بعدما ذبحوا طفلها الرضيع أمام عينيها وعمره أربعة
شهور".
وتروي ممرضة أميركية تدعى جيل درو عن شاهد عيان قوله إنهم
ربطوا الأطفال ثم ذبحوهم ذبح الشياه في مخيمي صبرا وشاتيلا،
صفوا الناس في الإستاد الرياضي وشكلوا فرق الإعدام .
علي خليل عفانة طفل في الثامنة يقول "كانت الساعة الحادية عشرة
والنصف ، سمعنا صوت انفجار كبير وتلاه صوت امرأة وفجأة اقتحموا
منزلنا، واندفعوا كالذئاب يفتشون الغرف، صاحت أمي تستنجد
فأمطروها بالرصاص، مد أبى يده يبحث عن شيء يدافع به عن
نفسه،لكن رصاصهم كان أسرع، لم أقو على الصراخ فقد انهالوا علي
طعنا بالسكاكين.. لا أدري ماذا جرى بعد ذلك، لكني وجدت نفسي في
المستشفى كما تراني ملفوف الرأس والساقين، قال لي رفيق في
المدرسة كان في زيارة أمه في المستشفى أن بيتنا تحول إلى
أنقاض، جاءت خالتي أمس لزيارتي فسألتها عن مصير أخوتي الثلاثة
، لكنها لم تجب ! ! لقد ماتوا جميعا أنا أعرف ذلك". وانسابت
الدموع الساخنة على خديه الصغيرتين.
وتروي امرأة من مخيم صبرا ما جرى فتقول "كنا وزوجي وطفلي نهم
بالنوم ليلة 15 سبتمبر بعدما انتهينا من ترتيب الأغراض التي
خربها القصف، وكنا نعيش حالة من الاطمئنان لأن الجيش اللبناني
- حسب ظنها- يطوق المخيم، لكن الهول كان قد اقترب إذ دخل عشرات
الجنود والمقاتلين يطلقون النار ويفجرون المنازل، فخرجنا
نستطلع الأمر ولما رأينا ما رأينا حاولنا الهرب لكنهم
استوقفونا ، ودفعوا زوجي وأبى وأخي وأداروا ظهورهم إلى الحائط
وأجبروهم على رفع أيديهم، ثم أمطروهم بوابل من الرصاص فسقطوا
شهداء، ولما صرخنا أنا وأمي شدونا من شعورنا باتجاه حفرة عميقة
أحدثها صاروخ، لكن أوامر صدرت لهم بالحضور إلى مكان آخر
فتركونا دون أن يطلقوا علينا النار ثم هربنا".
وتروي امرأة أخرى كيف دخلوا بيتها وعندها طفل من الجيران
فانهالوا عليه بالفأس فشقوا رأسه قسمين وتقول "لما صرخت
أوثقوني بحبل كان بحوزتهم ورموني أرضا ثم تناوب ثلاثة منهم على
اغتصابي، وتركوني في حالة غيبوبة لم استفق إلا في سيارة إسعاف
الدفاع المدني".
كان بعض رجال الميليشيات يسحقون الفلسطينيين بالسيارات
العسكرية حتى الموت،
وكانوا يرسمون الصليب على جثث القتلى، وقد قام مصور تلفزيون
دانمركي يدعى بترسون بتصوير عدد من الشاحنات المحملة بالنساء
الأطفال المسنين المتجهة إلى جهة مجهولة.
في صبرا وشاتيلا تم قتل الناس دون تمييز،
كما تم اغتصاب عدد كبير من النساء، هناك العديد من الناس رفع
الأعلام البيضاء كناية عن الاستسلام خصوصا الأطفال والنساء غير
أنهم كانوا من الضحايا الأوائل في المذبحة، بما في ذلك أكثر من
خمسين امرأة ذهبن للتعبير عن الاستسلام وأنه ليس هناك مسلحون
بالمخيم فتقلوهن جميعا.
الهجوم على مستشفى عكا كان صباح الجمعة
الساعة 11.30 صباحا حيث تمت عمليات قتل للأطباء والمرضى، ممرضة
فلسطينية تدعى انتصار إسماعيل 19 عاما تم اغتصابها عشر مرات ثم
قتلت وعثر على جثتها بعد ذلك مشوهة، وقد قتلوا العديد من
المرضى والجرحى وبعض العاملين والسكان الذي لجئوا إلى
المستشفى، ثم أجبروا أربعين مريضا على الصعود في الشاحنات ولم
يعثر على أي منهم فيما بعد، وخلال المذبحة قتل الإرهابيون
الطبيب علي عثمان ، والطبيبة سامية الخطيب داخل المستشفى،
وأفرغوا رصاصات في رأس طفل جريح يرقد في السرير عمره 14 عاما
ويدعى موفق أسعد.
وقامت البلدوزرات بحفر المقابر الجماعية في منتصف النهار جنوب
شاتيلا بمشاركة الصهاينة ، كما هدم العديد من المنازل
بالبلدوزرات وقد تمت المذبحة في مناسبة السنة العبرية الجديدة
!.
ويروي روبرتو سورو مراسل مجلة التايم
الأمريكية في بيروت ما رآه بعد دخوله المخيمات فيقول "لم يكن
هناك سوى أكوام الخراب والجثث، حيث الجثث مكومة فوق بعضها من
الأطفال والنساء والرجال ، بعضهم قد أصاب الرصاص رأسه ، وبعضهم
قد ذبح من عنقه ، وبعضهم مربوطة أيديهم إلى الخلف ، وبعضهم
أيديهم مربوطة إلى أرجلهم، بعض أجزاء الرؤوس قد تطايرت، جثة
امرأة تضم طفلها إلى صدرها وقد قتلتهما رصاصة واحدة، وقد تمت
إزاحة الجثث من مكان إلى آخر بالبلدوزرات الصهيونية ، ووقفت
امرأة على جثة ممزقة وصرخت "زوجي ! يا رب من سيساعدني من بعده
؟ كل أولادي قتلوا ! زوجي ذبحوه ! ماذا سأفعل ؟ يارب يا رب
!".
وفي تقرير لمراسل الواشنطن بوست يقول عن
مشاهداته "بيوت بكاملها هدمتها البلدوزرات وحولتها إلى ركام
جثث مكدسة فوق بعضها أشبه بالدمى، وفوق الجثث تشير الثقوب التي
تظهر في الجدران إلى أنهم أعدموا رميا بالرصاص . في شارع مسدود
صغير عثرنا على فتاتين، الأولى عمرها حوالي 11 عاما والثانية
عدة أشهر ! ! ! كانتا ترقدان على الأرض وسيقانهما مشدودة وفي
رأس كل منهما ثقب صغير، وعلى بعد خطوات من هناك وعلى حائط بيت
يحمل رقمين 442- 424 أطلقوا النار على 8 رجال . كل شارع مهما
كان صغيرا يخبر عن قصته، في أحد الشوارع تتراكم 16 جثة فوق
بعضها بعضا في أوضاع غريبة، وبالقرب منها تتمدد امرأة في
الأربعين من عمرها بين نهديها رصاصة، وبالقرب من دكان صغير سقط
رجل عجوز يبلغ السبعين من العمر ويده ممدودة في حركة استعطاف،
ورأسه المعفر بالتراب يتطلع ناحية امرأة ظلت تحت الركام ! ! ".
ويقول حسين رعد 46 عاما "إن الإرهابيين قاموا بقطع الرؤوس وضرب
الرقاب "بالساطور" وكانوا يدوسون الجثث بأقدامهم، وقد رأيت
بعيني قتل خمسة أشخاص أحدهم بالساطور ناهيك عن الشتائم
والإهانات، وكانوا يذبحون الأطفال والنساء بلا تمييز". وقال
"إن السكان بدؤوا بالهروب من جهة القوات المتعددة الجنسية
والتي لم تقم بحمايتهم خصوصا في منطقة الحمرا".
أما محمود هاشم 28 عاما، وهو من شهود المذبحة كان عمره آنذاك
يقارب الـ15 عاما "كنت نائما مع أصحاب لي يوم الجمعة ليلا في
المخيم وبحدود الساعة 11 ليلا سمعنا إطلاق نار ظنناه عاديا،
ونمنا حتى الصباح حيث صحونا لنجد المخيم خاليا إلا من القطط
والكلاب، وخرجنا نتفقد الأحوال، حتى اقتربنا من "مدرسة الجليل"
حيث وجدنا كومة من الجثث فوق بعضها البعض، فلم نتمالك أعصابنا
، وقررنا الخروج من المخيم عن طريق تدعى الأستديو" ووصلت إلى
حي الفاكهاني حيث يقيم أهلي بعدما دمر بيتنا في مخيم صبرا
وشاتيلا جراء القصف الصهيوني في أوائل الاجتياح، وسمعت هناك
بخبر المذبحة"، ويضيف "التقيت صحفيا بريطانيا طلب مني أن أصحبه
إلى مدخل المخيم صباح السبت 17/9/1982 ليسجل أحداث المذبحة
بكاميرته، فوافقت وعندما وصلنا إلى الجهة الغربية من المخيم
فوجئنا بكومة من الجثث بالقرب من مكان الدوخي، وقد ضرب صاحب
الدكان ببلطة في رأسه، وكان إلى جانبه شاب صغير، والباقون من
كبار السن، وتابعنا المسير حتى وصلنا إلى مفرق الحرج حيث شاهد
9 جثث تحت شاحنة، وكانت أيدي بعضهم مربوطة، فيما اخترق الرصاص
سطح حائط مجاور، ويدل المنظر على عملية إعدام جماعي لهؤلاء،
على بعد عشرة أمتار من هذا المشهد المذهل، وجدنا امرأة مسنة
تحمل بطاقة هوية لبنانية، ويبدو أنها كانت تحاول إقناعهم بأنها
لبنانية وليست فلسطينية، وعلى بعد عشرين مترا أخرى وجدنا عددا
من الأحصنة مقتولة، وبينها جثة رجل مقطوع الرأس، تبين فيما بعد
أنها جثة عمي عبد الهادي هاشم 49 عاما، وبعد أن تابعنا المسير
اصطدمنا بست جثث مربوطة بجنازير بعضها ببعض، وكانت رؤوس اثنين
منهم مجوفة فيما يبدو أنها ضربت ببلطة أو فأس على الرأس، ونظرا
للهول والذهول الذي أصابنا قررنا العودة من حيث أتينا، وكان
الصحفي البريطاني قد التقط عشرات الصور لهذه المشاهد، وخلال
ذلك سمعنا حركة قريبة منا فاضطرب الصحفي وسارع لقيادة الدراجة
النارية وأنا معه إلى خارج المخيم، وقد أطلقت علينا زخات من
الرصاص فزاد من سرعة انطلاقه".
ويستعيد شاهد العيان شريط ذكرياته داخل المخيم فيقول "
رأينا الجثث مكومة في زاوية إلى اليمين وعلى بعد خمسين ياردة
فقط من مدخل مخيم شاتيلا، كان هناك أكثر من اثنتي عشرة جثة
لشبان صغار التفت أرجلهم وأيديهم بعضها حول بعض، وهم يعانون
آلام الموت، وكان كل منهم مصابا برصاصة أطلقت نحو صدغه فاخترقت
مخـه، وبدت على الجانب الأيسر من رقاب بعضهم ندوب قرمزية أو
سوداء، رأينا طفلة لا تتجاوز الثالثة من عمرها ملقاة على
الطريق وكأنها دمية مطروحة، وقد تلوث ثوبها الأبيض بالوحل
والدم والتراب، وكانت قد أصيبت برصاصة قد طيرت مؤخرة رأسها
واخترقت دماغها، كانت الأسر قد أوت إلى فراشها في غرف النوم
عندما اقتحم المسلحون المخيم، فقد رأيت جثثا ممددة على الأرض
أو متكومة تحت الكراسي، وبدا أنه جرى اغتصاب كثير من النساء
حيث كانت ملابسهن مبعثرة على الأرض، شاهدت أما تضم طفلها وقد
اخترقت رأس كل منهما رصاصة ، نساء عاريات قيدت أيديهن وأرجلهن
خلف ظهورهن، رضيع مهشم الرأس يسبح في بركة من الدم وإلى جانبه
رضاعة الحليب. على طاولة الكوي بالقرب من أحد البيوت قطعوا
أعضاء طفل رضيع وصفوها بعناية على شكل دائرة ووضعوا الرأس في
الوسط. في صبرا وشاتيلا يسود الانطباع أن القتلة استهدفوا
وأمعنوا في قتل الأطفال بنوع خاص".
بعد انسحاب الإرهابيين هام الناجون من المذبحة على وجوههم بحثا
عن أقاربهم الذين طالهم الذبح بين أكوام الجثث أو تحت الأنقاض،
وكانوا لا يزالون تحت كابوس المجزرة التي عاشوها.
عائلات أبيدت وحوامل بقرت بطونهن وأطفال تطايرت رؤوسهم .."رأيت
عشرات الجثث أمام الملجأ القريب من بيتنا. ظننت في البداية أن
القصف قضى عليهم. بدأ القصف بعد مقتل بشير الجميل، كنا في
المخيم خائفين من قدوم الكتائب والانتقام منا، لم ننم تلك
الليلة وكان الحذر يلف المخيم".
هذا ما رواه ماهر مرعي - أحد الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا -
وهو يصف ما حدث ليلة السادس عشر من أيلول 1982، قال :" رأيت
الجثث، أمام الملجأ مربوطة بالحبال لكني لم أفهم، عدت إلى
البيت لأخبر عائلتي، لم يخطر في بالنا أنها مجزرة، فنحن لم
نسمع إطلاق رصاص، أذكر أني رأيت كواتم صوت مرمية قرب الجثث هنا
وهناك، ولكني لم أدرك سبب وجودها إلا بعد انتهاء المجزرة.
كواتم الصوت "تتفندق" بعد وقت قصير من استخدامها، ولذا
يرمونها.
بقينا في البيت ولم نهرب حتى بعد أن أحسسنا أن شيئا مريبا يحدث
في المخيم. رفض والدي المغادرة بسبب جارة أتت للمبيت عندنا،
وكانت أول مرة تدخل بيتنا. زوجها خرج مع المقاتلين على متن
إحدى البواخر ولم يكن لديها أحد، فقال أبي لا يجوز أن نتركها
ونرحل. كان اسمها ليلى. كانت الجثث التي رأيتها أمام الملجأ
لرجال فقط. ظننا أنا ووالدي أن الملجأ كان مكتظا فخرج الرجال
ليفسحوا المجال للنساء والأطفال بالمبيت وأخذ راحتهم، فماتوا
بالقصف. كنت ذاهبا يومها لإحضار صديقة لنا - كانت تعمل مع
والدي - تبيت في الملجأ. كانت تدعى ميسر. لم يكن لها أحد هي
الأخرى. كان أهلها في صور وأراد أبي أن أحضرها لتبيت عندنا.
قتلت في المجزرة مع النساء والأطفال. رأيت جثتها في ما بعد في
كاراج أبو جمال الذي كان الكتائبيون يضعون فيه عشرات الجثث، بل
المئات. كان المشهد لا يوصف !!!
عندما دخل الصهاينة إلى بيروت الغربية كنا نعتقد أن أقصى ما قد
يفعلونه بنا هو الاعتقال وتدمير بيوتنا، كما فعلوا في صور
وصيدا وباقي الأراضي التي احتلوها. أذكر أني ذهبت صباح يوم
المجزرة - وكان يوم الخميس في 16 أيلول - مع مجموعة كبيرة من
النساء والأطفال لإحضار الخبز من منطقة الأوزاعي سيرا على
الأقدام (كان عمري 14 عاما). كنا "مقطوعين" من الخبز وليس
لدينا ما نأكله. رفض أصحاب الأفران يومها أن يبيعونا، كان
الخبز متوفرا ويبيعونه إلى اللبنانيين فقط مع أنه كان متوفرا
بكثرة. عدنا إلى المخيم فلم نستطع الدخول، إذ كانت الطرقات
المؤدية إلى المخيم جميعها مقطوعة، وكان الصهاينة يقنصون من
السفارة الكويتية باتجاه مدخل المخيم الجنوبي. عند تقاطع هذا
المدخل وبئر حسن، كان هنالك قسطل مياه مكسور، وكان أهالي
المخيم يعبئون منه الماء رغم القنص. رأيت عند قسطل المياه
صهيونيا من أصل يمني يقتل فتاتين فلسطينيتين، لأنهما وبختا
فلسطينيا أرشد الصهيوني إلى الطريق التي هرب منها أحد الذين
يطاردونهم، هكذا قالت أم الفتاتين التي كانت معهما وهربت عند
بدء إطلاق الرصاص. حاول أهل المخيم سحب الفتاتين فقتل رجلان
وهما يحملان جثتيهما، - قنصهما الصهاينة من السفارة - ثم ما
لبث أهل المخيم أن سحبوهما بالحبال. يومها رأيت آرييل شارون في
هليكوبتر أمام السفارة، أحسست أنه قائد صهيوني كبير، لم أكن
أعرف من هو إلا بعد أن رأيته على شاشات التلفزيون بعد انتشار
أخبار المجزرة.
تمكنا بعد ذلك من العودة إلى المخيم في المساء كانت القذائف
المضيئة تملأ سماء المخيم، هنا، بدأ صوت ماهر يرتجف عندما أخذ
يخبرني ما حصل في بيتهم تلك الليلة - أي الخميس وهو أول يوم في
المجزرة. قال ماهر:"عندما أخبرت والدي عن الجثث، طلب منا أن
نلزم الهدوء وألا نصدر أي صوت، تتألف عائلتنا من 12 شخصا، ستة
صبيان وأربع بنات وأبي وأمي. كان أخواي محمد وأحمد خارج البيت
وهما أكبر مني سنا. الباقون كانوا في البيت وكانت جارتنا ليلى
عندنا. قرابة الفجر، صعد أخي إلى السطح مع ليلى كي تطمئن على
بيتها. كان النعاس قد غلبنا أنا وأبي - إذ بقينا ساهرين ننصت
إلى ما يجري في الخارج ونسكت أختي الصغيرة التي كانت تبكي من
وقت لآخر.
لم نشعر بصعود ليلى وأختي إلا عندما نزلا. كانتا خائفتين فقد
رآهما المسلحون. ما هي إلا لحظات حتى بدأنا نسمع طرقا عنيفا
على الباب. عندما فتحنا لهم أخذوا يشتموننا وأخرجونا من البيت
ووضعونا صفا أمام الحائط يريدون قتلنا. أرادوا إبعاد ليلى إذ
ظنوا أنها لبنانية لأنها شقراء، وأبعدوا أختي الصغيرة معها
لأنها شقراء هي الأخرى وظنوا أنها ابنة ليلى ! رفضت ليلى
تركنا، وأخذت أختي تصرخ وتمد يديها إلى أمي تريد "الذهاب"
معها، كان عمرها أقل من سنتين وكانت ما تزال تحبو، في تلك
اللحظة، كان جارنا حسن الشايب يحاول الهرب خلسة من منزله،
فأصدر صوتا وضجة أخافتهم.
كان هناك شاب من بيت المقداد يطاردهم ويطلق عليهم النار
ويختبئ، كان اسمه يوسف، لمحته تلك الليلة عدة مرات، اعتقد أنهم
ظنوا في تلك اللحظة أن الضجة صادرة عنه، لذا أدخلونا إلى البيت
وهم يكيلون لنا الشتائم، طلبوا من والدي بطاقة هويته، وما إن
أدار ظهره ليحضرها حتى انهال الرصاص علينا جميعا كالمطر لم
أعرف كيف وصلت إلى المرحاض واختبأت فيه وفي طريقي إلى المرحاض
وجدت أخي الأصغر إسماعيل فأخذته معي وأقفلت فمه. رأيت من طرف
باب المرحاض كل عائلتي مرمية على الأرض، ما عدا أختي الصغيرة.
كانت تصرخ وتحبو باتجاه أمي وأختي وما إن وصلت بينهما حتى
أطلقوا على رأسها الرصاص فتطاير دماغها وماتت.
إسماعيل وأنا لم نتحرك. لزمنا الصمت فترة. لم أعد أستطيع
التنفس، فحاولت بلع ريقي لاستعادة تنفسي وكنت مترددا في فعل
ذلك. إذ كنت - عادة - أصدر صوتا عندما أبلع ريقي وخفت أن
يسمعوا الصوت ويأتوا لقتلي. وبالفعل، عندما فعلت كان صوت البلع
مسموعا من شدة السكون الذي سطر على البيت لكنهم لم يسمعوني،
فقد خرجوا بعد ان نفذوا جريمتهم. كان كل شيء ساكنا، امسكت
الباب كي لا يتحرك لانه كان يصر - في العادة - صريرا. خفت أن
يسمعوه فيعودوا ورحت أحركه ببطء شديد. كما اعتقدت أنهم ربما
لاحظوا غيابي وأنهم سيعودون لقتلي. لذا انتظرت بعض الوقت،
وعندما تيقنت من خروجهم وعدم عودتهم خرجت من المرحاض وأبقيت
إسماعيل فيه. بدأت أتفقد عائلتي. والدتي تظاهرت بداية بالموت
وكذلك أختاي نهاد وسعاد، ظنا منهما أني كتائبي. ولكن، والدي
وباقي أخوتي "الخمسة" وليلى كانوا جميعا أمواتها، كانت أمي
مصابة بعدة طلقات وكذلك نهاد وسعاد.
أمي ونهاد تمكنتا من الهروب معي وإسماعيل، بينما سعاد لم تستطع
لأن الطلقات أصابت حوضها وشلت. تركناها وخرجنا لإحضار الإسعاف
- يا لسذاجتنا- ولم نكن نعرف ماذا ينتظرنا في الخارج، الذين
دخلوا إلى بيتنا كانوا خليطا من القوات اللبنانية وقوات سعد
حداد، إذ كان بينهم مسلمون ولا يوجد مسلمون إلا مع سعد حداد.
عرفنا أنهم مسلمون من مناداتهم لبعضهم. كان بينهم من يدعى عباس
وآخر يدعى محمود.
بعد خروجنا من البيت تهنا عن بعضنا ا