حماسنا : هل صحيح ان تأثير عمرو خالد
على الشباب كتأثير نانسي عجرم وشركاها ؟!!

 
نانسي عجرم وعمرو خالد
في الفضائيات العربية وجهان لوجبة إعلامية واحدة
عبد السلام بنعيسي / القدس العربي
بلغ عدد الفضائيات العربية التي تبث الأغاني المصورة بالفيديو كليب مستوي قياسيا. ينبغي تكوين لجنة من الخبراء في علم النفس والاجتماع والموسيقي، والمختصين في الإعلام والإحصاء، لتحدد لنا بالتدقيق عدد هذه القنوات، ومحتوي ما يروج فيها، من صور، ومن كلمات للأغاني، وللألحان الموسيقية. لاشك أن عدد هذه الفضائيات مرشح للارتفاع. ليس لأن الجمهور يحب الأغاني المقدمة في شاشاتها ويعشقها، ومن باب الاستجابة لرغباته يتم إنشاؤها، وتخصص لها الاعتمادات المالية الكبيرة من خزائن الحكومات العربية.
إنشاء تلك القنوات بهذه الكمية الغزيرة، وبكل هذا الإسهال المتنامي، يتم لأغراض لا تشكل أولوية حقيقية للمشاهد العربي، وإنما ُتعتبر أولوية مركزية بالنسبة لمن ينشئها ويمولها ويرعاها، إذ ما أكثر الحاجيات التي يعبر الجمهور العربي عن رغبته في الحصول عليها، ولكن لا أحد يلتفت إليه، ويهتم به، وبحاجياته ويستجيب لها، بدعوي قلة الإمكانيات المالية وانعدامها، في حين، يقع التركيز علي مثل هذه القنوات، وتنبت كل يوم في الساحة الإعلامية العربية، وكأنها الفطر..
مفردات أغاني الفيديو كليب المقدمة في هذه الفضائيات سطحية وتافهة، ولا تحمل أحيانا أي معان ، والألحان الموسيقية التي تندرج فيها تعتمد علي الصخب والضجيج، وليست من النوع الذي يهذب النفس، ويؤثر بشكل إيجابي في المشاهد. إنها أغان تعتمد علي حركات الجسد التي تقوم بها المطربات أثناء الغناء. فالجمهور لا ينصت إلي أغان مصورة بطريقة احترافية تبرز معاني سامية، وتحث علي قيم نبيلة تهدف إلي إثراء شخصية المشاهد، لجعله مندمجا في النسيج الثقافي للمجتمع، ويعمل من أجل الارتقاء نحو الأفضل بالمجتمع حيث يعيش.
إن المتتبع لهذه الأغاني لا يشاهد إلا أجسادا لفتيات جميلات تتلوي في دلال وغنج أمامه. أجساد شبه عارية لا ترتدي صاحباتها من الملابس، إلا ما يثير الغرائز، ويغري بالإيحاءات الجنسية، وتركز الكاميرا أثناء تصوير هذه الأغاني علي الأماكن الحساسة من أجساد المطربات ... وواضح أن الفئة المستهدفة بهذه الأغاني تتكون في أغلبيتها المطلقة من الشباب ومن المراهقين والمراهقات تحديدا.
فلماذا هذا الإصرار من جانب صاحب القرار في الميدان الإعلامي العربي علي جعل الساحة العربية مكتسحة بهذا الفيض من الفضائيات المختصة بتقديم أغاني الفيديو كليب علي الطريقة التي نشاهدها؟ ألا يتجاوز الأمر حدود الاستجابة لرغبات جمهور الشباب العربي، إلي العمل علي تنميط ذوقه وتكييفه، لوضعه في هذا القالب المفروض عليه بقوة الإلحاح والتكرار؟ بأي خلفية إيديولوجية يحدث ذلك؟ وهل من المؤكد أن النتيجة ستأتي متطابقة مع الهدف الذي يرمي ويخطط له واضعو هذه الفضائيات والمشرفون علي تدبيج الفلسفة التي تشتغل في سياقها؟
إذا كان المراد من الفضائيات المختصة في بث أغاني الفيديو كليب التصدي للفكر الأصولي المتطرف ومواجهته بين الشباب والمراهقين، فإن من السهولة القول، إن هذه الصيغة في التصدي للأصولية والتطرف، ليست الصيغة الملائمة والفعالة. فآفة التطرف أخطر، وأقوي، وأعقد من أن تواجه باجتهادات بسيطة وسطحية من هذا القبيل، فبإمكان أغاني هذه الفضائيات أن تسحب الشاب العربي لبعض الوقت من واقعه التعيس، وأن تدفعه لكي يحلق في السحاب بعيدا عنه، متخيلا نفسه أميرا في قصر.. ولكنه حتما سيفيق في لحظة ما، من أحلام يقظته، وسيجد نفسه في أتون الواقع الذي حاول الفرار منه عبر الأحلام والتهيؤات، فماذا نحن فاعلون به وقتها؟
وبإمكان هذه الفضائيات أن تخلق شريحة واسعة من المراهقين المفصولين كليا عن واقعهم، ويقضون جل وقتهم هائمين في عالم من صنع خيالهم، ولكنها، بالمقابل، عبر الصور الفضائحية التي تتضمنها الأغاني المقدمة فيها، والفضاءات المترفة التي يتم تصويرها فيها، قد تخلق فئة من الساخطين علي أوضاعهم الاجتماعية البئيسة التي يتلظون بنيرانها، قياسا مع ما يشاهدونه علي شاشات فضائياتهم أثناء متابعتهم لأغنيات الفيديو كليب. قد تؤدي هذه الأغاني، باعتبارها فعلا إعلاميا، إلي حدوث رد فعل معاكس ومخالف لما يبتغيه ويحلم به الساهرون عليها. فالغلو في أي مجال من المجالات ينتج غلوا مضادا له.
لا تقدم الفضائيات المختصة في بث أغاني الفيديو كليب فنا رفيعا يساهم في تهذيب وجدان المراهق العربي، وتهدئته، لتخصيب عقل هذا المراهق، وإعداده ليكون متفاعلا بشكل متعقل مع محيطه. إنها تخاطب غرائزه، وتسطح عقله، وتهيجه، وتجعله مستعدا ليتحول إلي كائن منفصل عن واقعه، ومنفعل، وربما متوتر، وأهوج، ومنساق وراء غرائزه. لسنا أمام أغان لها رسالة فنية راقية، أو تريد إنجاز مجرد ترفيه بريء ومحايد. إننا إزاء حصص تلفزيونية تقوم بشحن مخيال الشباب العربي بصور ورموز ليست في متناوله. وبذلك تتم تغذية الإحباط، والشعور بالعجز لديه. إنها أغاني تهيئ الأرضية المناسبة لانتشار التوتر والتعصب، ثم الأصولية والتطرف في وقت لاحق.
أغاني الفيديو كليب العربية لا تختلف، من حيث الهدف الذي تحققه الرسالة التي تتضمنها، عن بعض الخطب الدينية التي تقدم في البرامج التلفزيونية لبعض القنوات الخليجية علي لسان المشايخ، والفقهاء، ووعاظ الجماعات المتطرفة. وربما، ما تخلفه خطب وإرشادات الداعية عمرو خالد من تأثير انكفائي وانزوائي داخل الذات، وهروب من الواقع المعاش صوب الماضي، وعالم الغيب، عالم الجنة والنار، لا يساوي أي شيء يذكر، أمام ما يفعله دلال وغنج نانسي عجرم علي شاشات الفضائيات حين تقدم أغانيها المصورة عبر الفيديو كليب، فهي أيضا تسحب المشاهد إلي عالم ليس عالمه. إن لهما معا نفس المفعول والتأثير. فنحن أمام وجهين لوجبة إعلامية واحدة، حتي وإن اختلف المذاق، وطريقة الإعداد والتقديم..
لا يعني هذا أننا مع رفع الدعاوي القضائية لإجبار الفضائيات علي عدم تقديم أغاني الفيديو كليب، فأسلوب القمع أسلوب مستهجن، ولا يجدي نفعا، خصوصا في مثل هذه الحالات، فالممكن هو تكثيف حملات التوعية، والتحرك جماهيريا وعبر جمعيات المجتمع المدني لإقناع صاحب القرار الإعلامي بخطورة مثل هذه الأغاني، وتنبيه الأسر والشباب في المدرسة، وفي الجامعة، وفي الأندية.. بالمضار المترتبة علي الإدمان علي استهلاكها بغزارة، وهي علي هذا الشكل المسموم

 







 

 





 


 

 

 

 
 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter