دور الإسلاميين في تعويق مسيرة الاصلاح السياسي العربي


 
د. عبدالوهاب الافندي / القدس العربي
يتعرض الاسلاميون عموما، وحركة الاخوان المسلمين خصوصا، الي انتقادات من جهات عدة هذه الايام علي خلفية تصاعد احداث العنف في اماكن مختلفة من العالم العربي، وبحسب هؤلاء المنتقدين فان العلة هي في الفكر الاسلامي المنغلق والاقصائي. وقد بلغ الامر حتي بغلاة اصحاب الفكر الوهابي السلفي من علماء ومسؤولين في السعودية لان يتهموا فكر الاخوان المسلمين بانه هو المسؤول عن تفريخ الارهاب في السعودية وغيرها. اما العلمانيون فقد كرروا اتهاماتهم القديمة للاسلاميين بانهم وفكرهم وراء العنف لتأصل منهج التكفير في رؤيتهم. ويرد هؤلاء علي دفاع الاخوان المسلمين بالتزامهم النشاط السلمي بالقول بان للاخوان تاريخا دمويا، كما ان كل جماعات العنف خرجت من تحت عباءتهم .
واذا كان الموقف العلماني من الاسلاميين قديم ومعروف ومتوقع، وان كان له طابع الانتهازية كما اشار اكثر من معلق، فان المستغرب هو موقف المؤسسة الدينية والسياسية السعودية التي طالما دافعت عن الاسلاميين واهتمت بهم في تحالف استراتيجي طويل الامد ضد القوي القومية والعلمانية. ويعتبر هذا الموقف محاولة للتنصل من هذا التحالف بعد ان وجهت اصابع الاتهام للعقيدة الوهابية في انها المسؤولة عن جذور الارهاب الموجه ضد امريكا، كون اسامة بن لادن وانصاره المقربين ينتمون الي هذا التيار.
ولكن المؤسسة السعودية سعت الي التنصل من هذه التهمة بالاشارة الي دور ايمن الظواهري، زعيم تنظيم الجهاد الاسلامي المصري، والساعد الايمن لاسامة بن لادن، واتهامه بأنه هو الذي اثر في فكر بن لادن وحرفه عن النهج السلفي الصحيح .
وقد حاولت لجنة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) التي شكلها الرئيس الامريكي جورج بوش للتحقيق في احداث الحادي عشر من ايلول الي المزاوجة بين التهمتين، والقول بأن بن لادن متأثر في نفس الوقت بفكر ابن تيمية وسيد قطب، وان هذا الفكر الراديكالي الاسلامي هو المحرض الأكبر علي الارهاب، مما اوجب مواجهته فكريا واستئصاله سياسيا.
ولا شك ان القبول بهذه التهمة يؤدي بالضرورة الي اتهام الاسلام نفسه بأنه المحرض علي الارهاب، لأنه لا ابن تيمية ولا سيد قطب كانا اول من نادي بالجهاد، ولا آخر من دعا له. وبالفعل فان اكثر من معلق امريكي قاموا في الأشهر الاخيرة بتوجيه التهمة الي النص القرآني والعقيدة الاسلامية بتشجيع الارهاب . وقد دعا احدهم الي حرب دينية هي الاولي منذ الحروب الصليبية لصد هذا الخطر الداهم.
من جهة اخري فان صدور هذه التهمة، سواء من الجهات الغربية والصهيونية، او من العناصر السلفية، او من القوي العلمانية التي تحالفت وتتحالف مع انظمة القهر والقمع، تضع علامات تساؤل حول صدقية الدعوي والمدعي. وهذا ليس فقط لأنها تصدر من جهات ضالعة في ممارسة العنف، ولكن لانها تتحدث عن العنف والارهاب في معزل عن سياقه. فليس هناك اي دليل علي ان كل من قرأ ابن تيمية وسيد قطب، او تلا القرآن ينطلق فورا الي ارتكاب اعمال عنف ضد ابرياء. ومن جهة اخري فان العنف ليس حكرا علي من قرأوا سيد قطب. وعلي كل حال فان الحديث عن عنف مجرد بهذا الشكل دون النظر الي ملابسات كل حادث عنف يجعل الحديث غير ذي معني.
الاسلاميون ليسوا مبرئين من اجتراح العنف، ولكن لعل التهمة الاصدق في حقهم هي الاحجام وليس الاقدام في مجال السياسة. فبينما نجد الفصائل السياسية الاخري من قومية ويسارية وتقليدية ظلت تستغل قدراتها وميزاتها السياسية الي اقصي حد ممكن، سعياً للسلطة وامتلاكا لها ومحافظة عليها، فاننا بالمقابل نجد الاسلاميين ظلوا يفتقدون وضوح الرؤية حول دورهم السياسي.
ويتجسد هذا الاشكال في حركة الاخوان المسلمين، الحركة الاسلامية الاكثر نفوذا في العالم العربي، وفروعها المختلفة (جبهة العمل الاسلامي في الاردن، الحركة الدستورية في الكويت، الحزب الاسلامي في العراق، حركة حمس في الجزائر، حزب الاصلاح في اليمن الخ). ففي كل هذه الحالات نجد الحزب الاسلامي يتخذ موقفا لا هو بالمعارض ولا هو بالمؤيد للحكم، مما يجعله يفتقد اي فاعلية سياسية.
ولعل أبرز مثال علي هذا هو موقف الحزب الاسلامي في العراق، حيث نجد الحزب هناك لا هو مع المقاومة، ولا هو مع الاحتلال، وهو غائب عن المقاومة المسلحة، وشبه غائب عن الساحة السياسية السلمية. نفس الوضع نجده في حركة الاخوان المسلمين في مصر، حيث تفتقد الوجود الشرعي، ومع ذلك نجدها حين تخترق البرلمان تصوت لصالح انتخاب الرئيس مبارك، وتمسك في البرلمان عن اثارة القضايا الحيوية مثل انتهاكات حقوق الانسان والقوانين الجائرة والفساد السياسي والمالي.
في أحيان أخري نجد الحركات تتطوع بالقيام بدور مساعد للحكم في ضرب خصومه، مثل دور حركة الاصلاح في اليمن ضد الاشتراكية، وحركة حمس ضد جبهة الانقاذ الاسلامي في الجزائر، والجماعات الاسلامية المصرية ضد الناصريين في السبعينات. وبنفس القدر لعبت الحركات دور الدفاع عن الأنظمة الملكية في الخليج والأردن ونظام نميري في السودان في آخر عهده. ولكن الثمن الذي تقاضته هذه الحركات عن هذا الدور كان ثمنا بخساً، فاحيانا كان المقابل جزاء سنمار.
في نفس السياق نجد ان الحركات سيطرت علي بعض منظمات المجتمع المدني مثل النقابات والمنظمات المهنية وساعدت في شل فاعليتها. علي سبيل المثال نجد ان النقابات المهنية في مصر لم تحرك ساكناً لدي اعتقال اعضائها من الاطباء والصيادلة والمهندسين والاساتذة الجامعيين من الاخوان والسبب في ذلك ان هذه النقابات تحولت في حقيقة الأمر عمليا الي فروع لتنظيم الاخوان، الذي قام بدوره بتجميد فاعليتها لان التنظيم لم يكن يريد ان يصعد المواجهة مع النظام. ولعله لولا سيطرة التنظيمات السياسية علي هذه النقابات فانه كان سيكون لها دور فاعل في الدفاع عن اعضائها ضد الاعتقال التعسفي، خاصة حين يكون هذا الاعتقال بسبب النشاط النقابي للاعضاء.
عموما يمكن ان يقال اذن ان دور الحركات الاسلامية هو في مجمله دور سلبي في المجال السياسي. فالحركات تمددت واكتسبت نفوذا متصاعدا في المجتمع، ولكن هذا النفوذ اوصلها واوصل معها المجتمع الي طريق مسدود، لأنها لم تملك الجرأة الكافية علي استغلال نفوذها الي الحد الاقصي، في حين ان نفوذها عوق الحركات الأخري المنافسة من التحرك السياسي.
ولهذا السبب فان الحكومات تستغل هذه السطوة المتزايدة للحركات الاسلامية للاحتجاج بأن الديمقراطية ستأتي بهذه الحركات للسلطة حيث ستقوم بالغاء العملية الديمقراطية، من جانبها فان هذه الحركات لم تستطع اقناع الرأي العام ببطلان هذه التهم، كما انها لم تمتلك الجرأة لكسر هذا الجمود عبر الدخول في مواجهة مباشرة مع الخصوم.
هناك اكثر من سبب لهذا الدور الملتبس للحركات الاسلامية، اولها هو ان هذه الحركات تفهم دورها علي انه متعدد الجوانب، ولا يشكل الدور السياسي الا جانبا صغيرا منه. فهي حركات دعوة وتربية واصلاح اجتماعي الخ.. ولهذا فان الحركات تشتت جهودها في مجالات عدة، وتقوم ببناء مصالح واستثمارات اجتماعية واقتصادية وتربوية تخشي المجازفة بها اذا ولجت السياسة من بابها الأوسع. هناك ايضا اشكالات القيادات المتكلسة التي تعيش مع ذكريات مؤلمة تجعلها تخشي المغامرة الضرورية في مجال السياسة. واخيرا هناك الجمود السياسي والفكري الذي يعوق الحركة السياسية.
هناك اكثر من طريقة لكسر هذا الجمود السياسي وهناك طرق جربتها الحركات والقوي الاسلامية من قبل، مثل الثورة الشعبية كما كان الحال في ايران، او الانقلاب العسكري علي الطريقة السودانية، او كسر الجمود الايديولوجي باعتماد برنامج سياسي مرن علي طريقة حزب العدالة والتنمية في تركيا، او عبر الاندماج في العملية السياسية وبناء التحالفات علي طريقة حزب الله في لبنان.
ولعل المرونة الايديولوجية والتحرك البناء نحو بناء تحالفات سياسية مع القوي الفاعلة في المجتمع يمثلان الطريق الأمثل نحو تحرك اسلامي لكسر الجمود السياسي الذي لم تصبح الحركات الاسلامية طرفا فيه، بل اصبحت عماده.
مهما يكن فإن اي حركة سياسية تحترم نفسها يجب ان تربأ بنفسها عن ان تصبح تكئة لكل دكتاتور، تدعمه اما مباشرة عن طريق المدح والاشادة وحشد الدعم، او بمجرد السكوت عن باطله، او غير مباشرة باعطائه العذر والذريعة للاستمرار في البطش والطغيان وحشد الانصار في الداخل والخارج ضد الخط الاسلامي المزعوم.
والحال هو ان الحركات الاسلامية لا تشكل خطرا الا خطر الجمود والتهميش لنفسها وانصارها ومجتمعاتها، ولعل عدم فاعلية الحركات الاسلامية (وهو تكرار لبؤس وعدم فاعليات الحكومات) لا فكر هذه الحركات وايديولوجياتها، هو الذي يدفع الشباب الخارج عليها الي العنف الغاضب يأساً من الاصلاح البناء والجهاد الفاعل. وهذا يعني ان الخطر الأكبر ليس في فكر الجماعات الاسلامية ولا نشاطها، وانما في احجامها ونكوصها عن الاضطلاع بالدور اللائق بحركة اصبحت بغير اجتهاد منها الحركة السياسية الاكبر في معظم بلدان العالم العربي


 




 

 

 





 


 

 

 

 
 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter