
حين
يحل ظلام التخلف
أحمد البغدادي
ثـلاث تـجــارب للـحـكم الـديـني تـراهـا جـميـع الشـعـوب
المـسلمـة وغـير
الـمســلـمة تـثـبت لـكـل ذي عـقـل أن أســوأ أنـواع الـحـكم هـو
الحـكم الـديني (
إيران والسـودان وأفغانستان . ثلاثة أنظمة سياسية تـعيش أسـوأ
أنـواع الحـكم ) ألا
وهـو الـحـكم الاستـبدادي عـلى مـستـوى التـشريع ، والـديكـتاتوري
على مستـوى
التـعـامل مـع الـرأي الآخـر . هـذه الأنـظمـة الـثـلاثـة لـم
تــأل جـهـدا فـي
تـشـريـد مـثـقـفيـهـا وكـتـابـها وجـعـلـهـم يـعـيشـون لاجئيـن في
بـلاد ( الكفر )
حـيث الحـرية والـكرامـة .
وفي هـذه الأنـظـمة تـمـارس ســرا جـمـيع
الـموبقـات ( الدعارة ، الخمور ، انتشــار الأفـلام الإباحية .....
) أمـا في
الـجـزائر حـيث مــنـع التـيار الديني مــــن الـوصول إلى السـلطـة
، فـلـم يسـع
هـــذا التـيـار إلى التـمسـك بـكتـاب اللـه (( وجـادلـهم بـالتي
هـي أحســن ))
ولـم يتــأس بـمـا فـعـله النبي صلى الله عليه وسلـم تــجــاه
قــومه من الـمشركيـن
بـل أدخـل الـمجـتـمـع الـجزائري فـي الـحـلـقة الـمـفرغـة مـن
العـنف والـعـنف
الـمضاد حـتى أصبـحت كـل الـوسائل مبـاحـة بــما في ذلـك الـذبـح
نـحـرا لـكـل من
يـعـارض التـيار الـديني . وانـتـهـكت الـمـحار م التي حـرص
الإسـلام على صيـانتـها
وزال عـهـد الأمـان الـذي مـنـحه الإسـلام لـغـير الـمسلمين ،
وبقـدر عـدد القـتـلى
تفـجيـرا واغـتيالا وذبـحـا عـلى يـد التـيار الـديني في الـجـزائر
بأكـثر من
عشـرين ألـفـا من الـمسلمين .
جـميـع ( الـدول التي تتـبنى الـديـن ــ
السياسي الـمتشـدد فـشـلت في التـنـمية عـلى كـافة الأصعـدة
سيـاسيا واجتماعيا
واقتصاديا ) ومـا كـان لـهـذه الأنـظمة الـدينية أن تـقـوم بـكـل
ذلك لـولا ضـعـف
الشـعـوب وتـقـاعـسها عـن التـحرك ضـد التـيار الـديني في اللحـظة
الـمناسبة ،
ولـذلك فـهـي الشـعـوب لا تـلوم إلا نـفـسـها ، وهي الآن تـدفع
الـثمن ، وعلى مـا
يبـدو أنـه يـراد لـنـا في الـكويت أن نـصـل إلى نـفس الـمصير ليس
عـلى المسـتوى
السـلطوي السياسي كنـظام حـكم ــ ولـكن عـلى المستوى الاجـتـماعي
والتعليمي .
أن قـانون مـنـع الاخـتلاط الـذي أقـره مـجلس الأمـة والـذي يبـدو
أن
الحـكومة ستـوافـق عـليه هي الأخـرى بشيء من التـعـديلات خـلال
السنـوات الـخمس ،
وليس مـقصـودا ـ نقصد القانون ـ في ذاتـه ، لـقـد كـانت هـنـاك
قـضايا أكثر أهـمية
مـن الـنـاحية الشرعية ولـم يتـحرك التـيار الديني بـنفس القـوة
للـضـغـط عـلى
الحـكومة لإقـرارها . مـثل اقتـراح تعـديل الـمـادة الثـانية من
الدستور . إذن
الـهـدف أكـبر مـن مـجرد مـنـع الاخـتلاط في الجامعة ( الـهدف
الحقيقي هـو مـنـع
الحـياة الاجـتـماعية السليمة الـسـوية مـن الاسـتـمرار في
الـمـجتمع الكويتي )
ومـا قـانون مـنـع الاخـتلاط سـوى الـمـدخـل لـذلك .
فالـخطوة الأولى : هـي
المـنع داخـل الـجـامعـة ، ثـم بـعـد ذلك فـرض مـا يسمى بـاللبـاس
الشـرعي حسب
وجـهة نظرهـم ، ثــم مـنـع الاختـلاط خـارج أســوار الـجامعـة ،
ثـم ضــرب الـنــاس
بـالـعـصي للـذهـاب إلى الـمـساجـد واللـه سـبحـانه وتـعـالى يـقول
(( لا إكـراه في
الـدين )) ، ثـم بـعـد ذلك إدخـال المـجتـمع في مـتاهة التـخلف
ليقـوم لـدينـا
مـجـتمع يـصلي في الـعـلن ويـمارس كـل الـمـحرمات الشرعية
والأخـلاقية فـي الســر
كـمـا هـو حـاصـل في تـلك الأنـظمة الـدينيـة .
لـقـد فـشــل الـنبي صلى
اللـه عـليه وسـلم فـي فــرض الإســـلام عـلى الـمـجتـمع الـمـكي
ثـلاثـة عــشر
عـامـا إلى حـين دخــل الإســلام قـلـوب الأنـصــار مـن أهـل
يـثـرب أو الـمـدينـة
قـبل قـدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى يـثرب ؟ أليـس في هـذا
الأمــر ألـهــام
عـبـــرة ؟ لـم تـكـن في الـمـدينـة جـمـاعات التـأســلم السيـاسي
، ولـم يـكـن
هـنـاك أخـوان ولا سـلـف ولا حـزب تـحـرير ولا جـمـاعة تـبـليــغ ،
كـل مـا هـنالك
كـان إسـلامـا بسيـطا نـقـيـا خــالصــا يـدخـل القـلوب بـالكـلمة
الـطيبة . ولـم
يـفـسد الإســلام ألا حـيـن أرتـبـط بـالسـياسـة بـدءا مـن حـروب
الـردة ، واغتيال
عثمان بن عفـان ، فـحـرب الـجـمل ، فـمـوقعـة حـنين ، ثـم الصـراع
عـلى الخـلافة ،
فـالخوارج حـتى وصلـنا إلى الجـماعات الدينيـة التي بـدأت بـصورة
وأسـلوب اجـتمـاعي
وانـتـهـت بـعـد إظهـار نـوايـاها الـحقـيقيـة ـ بـرغبـة عـارمة
ودمـوية للــوصول
إلى السـلطة أو عـلى الأقـل للسيـطرة عـلى الـمجتمع دون اهـتـمام
لـمن تـدوسـه في
طريقـها لتـحقيق ذلك من قيـم الإسـلام وأرواح الـمـسلمين .
أذن كـل
هـذه الـجهــود والـضـغـوط لـيس فـقـط مـن
أجــل مـنـع الاخـتلاط بـل من أجــل مـا
وراء ذلـك ، ومـا مـوافقـة الـمجتـمع بسـكوته وصـحـته عـلى تـمـرير
هـذا الـقـانون
سـوى عـمـلية انـتـحــار جـمـاعي
عـلى طريقة انـتـحـار الحـيـتان في الـبـحر والـذي
لا يـزال ســرا مـجـهـولا عـنـد عـلـماء الـبـحـار ، عـلى الرغم من
محـاولات هـؤلاء
العـلماء إنـقـاذ هـذه الـحيـتـان ، لـكـنـها ترفض بـإصـرار عـجـيب
عـلى العـودة
وإكـمـال الانـتـحار ، ولـذلك فـإنـه مهـما يـحـاول الـمثـقـفـون
والـكتـاب إيضـاح
الأمـور وتـبيــان الـحـقائق ، فـإنـه لا فـائدة إذا مـا قرر
الــشـعـب أن يـنـتـحر
اجـتماعيـا بـالسيــر في خـطـى التـيار الـديني . ونـؤمن أن مـن
حـق الشـعـوب
الانـتـحـار ، لـكن ليس مـن حقـهـا قـطعـا نحـر مـسـتقـبل الأجـيال
القـادمـة .
هـذه الأجـيـال التي سـتـخسر وقـتـا طـويلا وثـميـنـا لـتـعـيد
الأمــور إلى
نـصـابـهـا الصـحيـح .
لـذلك نـتـوجـه إلى الشـعـب الكـويـتي من خـلال
أبنـائـه الـطلبـة بـتـذكيـرهـم بـحـقـيـقـة اتـخـاذ الـذي سيـسـود
حيـاتهـم
الـمستـقـبلية إذا لـم يسـعـوا جـادين في مواجهة التيار الديني .