
حماسنا: ألم يأن الآوان للاسلام ان يحكم ؟!!
الإسلام
السياسي
د. علي بن عمر بادحدح / اسلاميات
"الإسلام السياسي" مصطلح متأخر النشأة حديث الرواج ، ظهر متزامناً
مع تنامي الصحوة الإسلامية وعمق الوعي لدى العاملين للإسلام ،
وتأكيدهم على شموليته ، ودعوتهم إلى استئناف الحياة الإسلامية في
ظل حكم الشريعة ، ومطالبتهم باسترجاع دور القيادة للدين في حياة
الأمة، وللأمة المسلمة بين سائر الأمم ولم يكن حملة هذا الطرح شيوخ
العلم وخطباء المنابر فحسب بل كان منهم أطباء مشهورون ، ومهندسون
بارعون ، واقتصاديون بارزون ، وأساتذة جامعات ، ولم يكن ذلك كله
بعيداً عن دوائر الرأي في الشرق والغرب ، ومن ثم دقت نواقيس الخطر
، وانطلقت أبواق الدعاية الكاذبة ، وتحركت وسائل الإعلام المضللة ،
وكان من نتاجها هذه المصطلحات " الإسلام السياسي " " والإسلام
الثوري " " والأصولية الإسلامية " وأُلصقت بهذه المصطلحات مفردات
العنف والإرهاب والدموية ونحو ذلك ، وتلقفتها كثير من وسائل
الإعلام في بلاد المسلمين وصارت ترددها كصدى للوسائل الأم الكبرى
وحمل هذا الفكر المنحرف من دين الأمة وثوابتها، المخالف لهويتها
ومصالحها ، أقوام من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وساروا في
الركاب بل ربما فاق بعضهم أسيادهم وقدواتهم .
ومصطلح " الإسلام السياسي " يقصد به الإسلام الفاعل المؤثر الذي
يهدف إلى أن يكون الحكم لله والسيادة للشرع وأن تنضوي الحياة تحت
لواء الإسلام بكل ما فيها من سياسة واقتصاد واجتماع وقضاء وتقنية
،والمصطلح من جهة أخرى يتداوله غير المسلمين والعلمانيون على سبيل
النقد والذم ، فهم يصورونه انحرافاً عن الإسلام الصحيح ، وتحريفاً
له ، وضلالاً في فهمه ، واستغلالاً لعظمته ، وتشويهاً لصورته ، كما
يصورون معتنقيه والداعين إليه بأنهم من ذوي المصالح والمطامع ، أو
من ذوي الجهل والسذاجة ، وفي كل الأحوال فإنهم يمثلون حالة من
الشذوذ غير المقبول .
وأحب أن أزيد توضيح المفهوم الذي يتداوله القوم بشأن " الإسلام
السياسي " بما يتضمنه من الدعوة لتحكيم الشريعة وذلك من خلال
أقوالهم .
1- الإسلام السياسي ،يقول المستشار محمد العشماوي : " إن تسييس
الدين أو تديين السياسة لا يكون إلا عملاً من أعمال الفجار ، أو
عملاً من أعمال الجهال غير المبصرين لأنه يضع للانتهازية عنواناً
من الدين ، ويقدم للظلم تبريراً من الآيات ، ويعطي للجشع أسماء من
الشريعة ويضفي على الانحراف هالة من الإيمان ، ويجعل سفك الدماء
ظلماً وعدواناً عملاً من أعمال الجهاد ".ويقول فرج فوده في الحقيقة
الغائبة : " هذا حديث دنيا وإن بدا لك في ظاهره حديث دين أمر سياسة
وحكم وإن صوروه لك على أنه أمر عقيدة وإيمان ، وحديث شعارات تنطلي
على البسطاء ويصدقها الأنقياء ويعتنقها الأتقياء ويتبعون في سبيلها
من يدعون الورع وهم الأذكياء ، ومن يعلنون بلا مواربة أنهم أمراء ،
ويستهدفون الحكم لا الآخرة ، والسلطة لا الجنة ، والدنيا لا الدين
، ويتعسفون في كلام الله عن غرور في النفوس ، ويتأولون الأحاديث
على هواهم لمرض في القلوب ، ويهيمون في كل واد ، إن كان تكفيراً
فأهلاً ، وإن كان تدميراً فسهلاً " ( ص 11، 12 ) .
2- إنكار أن يكون للإسلام أي صلة بالسياسة ، أو أي إشارة إلى نظام
للحكم أو شكل للدولة ، والعجيب أن القوم ينصبون أنفسهم أئمة ومفتين
ويجزمون جزماً جريئاً بذلك فهذا المستشار العشماوي يقول : " القرآن
الكريم لم يتضمن آية تتعلق بالحكم السياسي أو تحدد نظامه ، ولم
تتضمن الأحاديث الشريفة أي حديث في هذا الصدد " ( ص 158) ثم يواصل
الاطلاقات والتعميمات فيقول " وجمهرة الفقهاء الإسلاميين متفقون
على أن نظام الحكم في الإسلام ليس من أصول الدين أو الشريعة " .
والدكتور فرج فوده يقول بوضوح خطير : " إن الإسلام دين وليس دولة ،
وإن الدولة الإسلامية على مدى التاريخ الإسلامي كله كانت عبئاً على
الإسلام وانتقاصاً منه وليست له " ( تهافت العلمانية ص16 ) .
3- الالتباس أو التلبيس الخطير في مفهوم الدولة الإسلامية بأنها
دولة دينية بمعنى أنها حكومة الله ، تجعل الحاكم لا يُسأل عما يفعل
، ولا يراجع فيما يأمر به ، ونحو ذلك فهي طريق للاستبداد المطلق "
فالطاغية عندما يتمنطق بالدين أو يتمسح بالشريعة يجعل من نفسه
وكيلاً عن الذات الإلهية ، ومتصرفاً باسم القوى الكونية ومتحدثاً
بلسان الوحي ، ومتحكما ًفي تفسير النصوص ، ووصياً على عقول الناس ،
ورقيباً على جميع الإرادات ، ومتسلطاً على رقاب العباد ، وفي مثل
هذه الحالة تصبح المصالح الشخصية أهدافاً للدين وتصير الأغراض
الخاصة غاية للشريعة " ( الإسلام السياسي ، ص 24 ) والدكتور فؤاد
زكريا يعتبر ذلك الحكم هو الأخطر حيث يقول : " أقبح أنواع الخطأ هو
الخطأ الذي ينبثق من تحت عباءة الحكم الديني ويرتكبه حكام يتصورون
أن أهواءهم ومصالحهم الضيقة تجسيد للإرادة الإلهية ويوهمون الناس
أن كل ما يفعلونه مستلهم من وحي الشرع الإلهي الذي يحكمون بمقتضاه
" ( الوهم والحقيقة لفؤاد زكريا ، بتصرف من تهافت العلمانية ص 38 )
4- القول بأن أحكام الشريعة الإسلامية غير صالحة لحكم الحياة
المعاصرة بما فيها من مستجدات ومتغيرات ، ففؤاد زكريا يقول : " يجب
أن نكتب بوضوح مثلاً في صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان
.. أي أن نقول أنه ليس هناك في أمور البشر قاعدة من هذا النوع " ،
ومحمد نور فرحات يقول : " أحد المرتكزات الرئيسة للتأثير في
الأغلبية الصامتة هو ضرب المرتكزات الأساسية التي تنطلق منها هذه
الاتجاهات الدينية ، وأهم هذه المرتكزات قولهم : " إن هناك نصوصاً
ثابتة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان " ( تهافت العلمانية ص 20 )
وهناك أمور أخرى منها نظرهم إلى التشريع الجنائي ونظام العقوبات
على أنه قسوة لا تتناسب مع الإنسانية ومراعاة حقوق الإنسان ، وأخطر
من ذلك دعواهم أن التاريخ الإسلامي كله ليس فيه مثل يُحتذى للدولة
الإسلامية ويستثنون فترة حكم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نبي
مسدد بالوحي ، وفترة عمر لأنه ملهم محدث ، وكثيراً ما يُثيرون
البلبلة بأن دعوى الدولة الإسلامية لا تقبل لأنها ليس لها برامج
علمية أو خطط محدودة قابلة للتطبيق والمناقشة .
وليس المجال مجال تفنيد لهذه الدعاوى فمثل هذا لا يتاح في كتابة
صحفية ولكنني على ثقة أن الناظر إلى هذه الدعاوى يرى شططها الكبير
، ومبالغاتها غير الواقعية وبعدها العظيم عن أبسط حقائق الإسلام .
فكيف يُقال إن تحكيم الإسلام وتطبيق الشريعة سبب الظلم والفساد ،
والإسلام يربي على التقوى ، ويقيم العدل ، ويحث على الخير ، وأين
هذا من صفحات كثيرة مشرقة من تاريخ الإسلام ليست في فترة الخلفاء
الراشدين فحسب ، ولا في خلافة عمر بن عبدالعزيز فقط بل في عهود
كثيرة كحكم نور الدين زنكي ، وصلاح الدين الأيوبي ،وغيرهم كثيرون .
وأي مغالطة تلك التي تدعي أن الإسلام ليس فيها آية ولا حديث تتعلق
بالحكم ونظام الدولة وماذا نقول في كتب المتقدمين كـ " الأحكام
السلطانية " لأبي يعلى الفراء والماوردي ،و" السياسة الشرعية "
لابن تيمية ، و" الطرق الحكمية " لابن القيم ، و" الإحكام في تمييز
الفتاوى من الأحكام في تصرفات القاضي والإمام " للقرافي ، وأين
نذهب بالدراسات الحديثة التي رسمت ملامح نظام إسلامي متكامل في
الحكم والسياسة مع التوضيح والمقارنة من أنظمة الحكم وأشكال الدولة
في العصر الحديث ، مثل كتاب " نظام الحكومة النبوية " للكتاني ، و"
نظام الحكم والسياسة في الإسلام " للقاسمي ، و" الخلافة والإمامة
العظمى " لمحمد رشيد رضا ، و" نظام الحكم الإسلامي مقارناً بالنظم
المعاصرة " لمحمد حلمي ، و" الدولة القانونية والنظام السياسي
الإسلامي " لمنير البياتي ، وغيرها ..
فهل هؤلاء جهلاء أم متجاهلون عندما يقررون أن الإسلام لا صلة له
بالسياسة ؟
وأود أن أُشير أن كل هذه الدعاوى والشبهات دحضت بالأدلة الشرعية
والمقارنة الواقعية ، والوقائع التاريخية ، وذلك من خلال دراسات
علمية مستفيضة ، بل ورسائل علمية جامعية أوضحت ما هو أبعد من مجرد
نقد هذه الشبهات . لقد ظهرت دراسات تبرز جوانب أخرى كالمعارضة في
الإسلام والاستفتاء الشعبي وأحكامه .
والحق أن هذا كله لا يحظى عند جمهور المسلمين بالقبول ، وواقع
الحال يكشف أن كثيراً من المسلمين يعتقدون أن من صميم الإيمان
تحكيم شرع الله وأن الإسلام شامل لكل جوانب الحياة ، والمسلمون
يتوقون إلى أن تظللهم أحكام الشريعة لتحقق لهم السكينة والأمن ،
وينعموا بالمساواة والعدل ، وتلك الشبهات أصبحت أثراً بعد عين ،
وتجاوزتها المرحلة ، ودحضتها الدراسات الجادة الموضوعية .
وأما ما يلصق بهذا المصطلح من مفردات العنف والإرهاب فلم يعد يخفى
على أحد المغالطات الدولية في هذا الشأن ، والكيل بمكيالين ،
والكذب والتلاعب بالألفاظ على حد قول القائل :
قتل امرئ في غابة *** جريمة لا تُغتفر
وقتل شعب كامل *** مسألة فيها نظر
وماذا تسمى فظائع الصرب في البوسنة والهرسك ،وجرائمهم في كوسوفا
،وماذا يقال عن حرب الإبادة الروسية في الشيشان بل ماذا يقال قبل
ذلك عن الممارسات الإرهابية الإجرامية لليهود في فلسطين ؟
وكيف يوصف أطفال الحجارة المدافعين عن وجودهم أنهم إرهابيون ؟ وكيف
يمكن أن يسوغ أن يوصف عجائز الشيشان بأنهم إرهابيون ؟ وإن وجد من
يمارس شيئاً من ذلك من المنتسبين إلى الإسلام فليس مسوغا لأن يلصق
ذلك بالإسلام كدين ، وبالمسلمين كأمة .
ولا ننسى أن إسرائيل دولة يهودية تقوم على أساس ديني ، وتتصرف في
ضوء التوراة والتلمود ، والفاتيكان عاصمة دولة نصرانية ، وفي
اليهود والنصارى طوائف توصف بالتطرف والأصولية فلماذا يتم تجاهل
ذلك كله ويكون الهجوم الكاسح والانتقاد الشامل من حظ الإسلام ونصيب
المسلمين ؟! .
وأخيراً فإن الشعوب المسلمة جربت حكم القومية ، وتسلط البعثية ،
وسيادة الشيوعية فما جنت من ورائها إلا الرزايا والبلايا وفشل
هؤلاء أن يقدموا نموذجاً للدولة المدنية التي يزعمونها وما رأت
الشعوب إلا الظلم والعشوائية والبغي والبطش ، مقترناً بالفسق
والإباحية والفجور ، مرتبطاً بالتخلف والتأخر والعشوائية ومنتهياً
بالذل والتبعية والانهزامية ، وحق لشعوب الأمة المسلمة بعد كل هذا
أن تحرص على الحياة الإسلامية الكاملة الحاكمة بالشريعة في سائر
مناحي الحياة