رأي رجل الشارع في الإذاعة والفضائيات
سب وشتم وانتظار المعجزات وتعلق بكلام المشايخ!

هويدا طه/ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي
 

مصطلح (رجل الشارع) يعبر عن شريحة من المواطنين تستطلع آرائها غالبا في حدث سياسي راهن، والحديث هنا عن المواطنين العرب، إذ أن رجل الشارع الأوروبي أو الأمريكي مثلا- أو غيره في بلدان أخرى غير عربية، عادة ما تستطلع آرائه حول قضايا مثل موقفه من زيادة نسبة أول وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، أو الاستنساخ أو الطاقة النووية أو الطب البديل، وغيرها من قضايا (ما بعد السياسة)، أما رجل الشارع العربي فغالبا ما يحتقر مثل تلك القضايا!(جرب مثلا أن تسأل من حولك عن رأيهم في اتفاقية كيوتو!)إذ أن المسكين مازال يتطلع أصلا إلى ما يسمى (المشاركة السياسية)، وهو طور حضاري عاشه رجل الشارع الأوروبي أو الأمريكي هذا منذ عهود، ولم يعد (حدثا راهنا) بالنسبة له، فإذا حاولت أن تحلل مضمون ما يقوله رجل الشارع العربي عادة (سواء عبر الفضائيات أو الإذاعة أو في مواقع إلكترونية تختص باستطلاع الرأي أو في الجرائد أو المقاهي) خاصة إذا كنت متابعا عن عمدٍ وترصد، فسوف تكتشف أبعاداً عدة في اتجاه (الرأي العام)، وهو مصطلح آخر يعبر عن خلاصة رأي رجل الشارع ذاك.
هناك أولا ميل عام لاستخدام (السب والشتم) كطريقة للتعبير عن رفض الوضع السياسي الراهن، وذلك السب والشتم يوجه غالبا في اتجاهات ثلاث: أمريكا، والحكام العرب، والعلمانيين من العرب، لا يفرق رجل الشارع العربي بين: أمريكا التي تمثل بلاءً على العالم بقوتها العسكرية الهائلة وما ينتج عنها من غطرسة وتهديد لبؤساء العالم، وطموحات إمبراطورية تسبب الذعر للأمم، وأمريكا التي أهدت البشرية في بضع حقبٍ فقط من الزمان إنجازات علمية هائلة (لم تخطر على قلب بشر)! في مجال التكنولوجيا بمختلف تجلياتها في حياة الناس، أمريكا شر(مطلق)لأن العربي غارق في (المطلقات) منذ تكونت أمته قبل أربعة عشر قرنا.
أما سب الحكام العرب، فتلاحظ فيه اللجوء إلى التعميم أو(التعويم)، ربما لتجنب الضرر، فالمصري لا يذكر مبارك بالاسم، وإنما يلعن أجداد (الحكام العرب) مع أن حاكم جيبوتي مثلا- وهي دولة عربية- لم يفسد حياته في شيء! والليبي لا يذكر القذافي بالاسم، والسوري- بالطبع- لا يقترب بحال من الأحوال من عرين أسده، وهكذا، كلٌ يستخدم المصطلح الأعم والأكثر أمناً (الحكام العرب) بينما تفهم بالطبع من السياق أنه يقصد (ليلاه).
أما سب العلمانية والعلمانيين وتخوينهم وتكفيرهم واحتقارهم، فهو ديدن رجل الشارع الذي ينام ويصحو على كلام المشايخ وأصحاب العمائم، الذين يزرعون في رأسه صباحا ومساء الخوف من التفكير، والذعر من (الشك)، والشك بالمناسبة هو المرحلة الفكرية الأعظم في تاريخ البشر، وهو ما جعل أوروبا تهدي البشرية ما أهدت، رغم التحفظ على سلوكها الاستعماري تجاه الشعوب الأخرى، العلمانية كلمة (تخيف) العربي الذي قنع في أعماقه - أو أقنع- برؤية غيبية للعالم، تشكلها عقلية دينية لاعقلانية، تدور- مازالت- في فلك الانبهار بمعجزات لامنطقية، وتتمناها كحلٍ أمثل لمشاكله، فهو مازال يأمل أن يخسف الله بقارون، أو تشارك الملائكة في معاركه، أو تتصدى طير أبابيل للصواريخ الأمريكية!

ثم هناك ثانيا ميل عام (للاكتفاء) بهذا الأسلوب، والتنفيس (بالكلام) عن غضبه، دون أن يبحث عن (فعل) يغير حياته، ولهذا تجد كلمات المشاركين من الجمهور في برامج الإذاعة والفضائيات، تتسم في أغلبها بالصراخ، والانفعال، والمبالغة، والرغبة في الإطالة، حتى أن صراعاً يبدأ بين المذيع المحاور، الذي يصرخ هو الآخر مطالبا بالاختصار، والمشارك، الذي يتجاهل مطلب المذيع ويسترسل إلى أن تقطع عليه الخطوط !!

ثم هناك ثالثا ذاك (الإغراق في الذات العربية)، فالعربي لا يرى في العالم غيره، هو ينتمي إلى (خير أمة أخرجت للناس) وهو ابن أمة (ذات رسالة خالدة) وهو صاحب (الحضارة العريقة) وغير ذلك مما استقر في دواخلنا من أوهام! فبينما صعق العالم كله بصدمة زلزال تسونامي، الذي سبب الهلاك والدمار لمئات الآلاف من البشر، وتسابق لنجدتهم، ظل العربي- حاكما ومحكوما- لا مبالياً، حتى فضح في وسائل الإعلام العالمية، فبدأت الحكومات العربية بالتبرع بمبالغ.. كانت في ذاتها أكثر مدعاة للفضيحة!، وبينما تتظاهر شعوب هنا وهناك ضد خطر إساءة استخدام الطاقة على جو الأرض، لا يعرف العربي أصلا أن هناك مشكلة مناخية خطيرة تحيط بمستقبل البشرية! وبينما يتظاهر ملايين في أرجاء العالم تضامنا مع الفلسطيني والعراقي، لا يتضامن العربي مع غيره من المظلومين، اللهم إلا مع تيمور الشرقية وأفغانستان، عندما دعاه أسامة بن لادن لذلك! وهو الذي لا يعرف أين تقع تيمور الشرقية ولا الغربية، على الخريطة!
هل يبدو هذا تقريعا في الشعوب العربية؟ هل يبدو منطلقا من نظرة فوقية متعالية؟ لا.. إنه عرض فقط لمأساة نعيشها جميعا، فكلنا نقادا ومنتقدين، نعيش نفس المأزق، والمستطلع لتاريخ أوروبا يعرف كم كانت الشعوب الأوروبية تعيش ظلاما مثل هذا أو يزيد، فلماذا نفضت عن نفسها ذلك التخلف ومازلنا نحن فيه غارقين؟ مأزقنا ثقافي قبل أن يكون سياسي، تأتي الأزمات السياسية نتيجة لتعقيداته التاريخية والاجتماعية والدينية، فهل يحدث الآن تغيير ما في(الثقافة العربية)؟ الحق أن كل ذلك النقد السابق لصوت رجل الشارع، ليس استهانة به أو يأسا منه، فهو أنا وأنت وهو وهي، وإنما يمكنك رصده لتتبع بالسؤال التالي: ماذا بعد هذا الصراخ؟ ربما في محاضرة د. المهدي المنجرة، عالم المستقبليات المغربي، خلال ندوة نقلتها قناة الجزيرة منذ عدة أشهر، إجابة ما، إذ قال إن العقد الحالي هو عقد (الانتفاضات العربية)، وانتفاضات الأمم كما يروي تاريخ العالم، لم تكن شيئا خطيا مثاليا، كان بها تفاعل دائم بين قديم متهالك يتداعى، وجديد يقاوم ليحل محل القديم، والانتفاضات العربية المأمولة ليست استثناءً، فسلبية رجل الشارع العربي (وقود الانتفاضات المأمولة)، قد تكون تجليا لهذا الصراع، بين قديمٍ امتد زمنا طويلا، وجديد يحاول أن يولد، وأفضل عوامل المساعدة لهذه الولادة العسيرة، هي تلك الفضائيات، التي صارت تنقل لنا يوميا (كيف تحيا الشعوب الأخرى، وكيف تغضب)، ومن أحدثها، خروج الشعب الأوكراني إلى الشوارع، دون أن يبالي بالمطر والبرد وقوات الشرطة، غاضبا من نتائج الانتخابات، حتى نجح في إعادتها وفرض رأيه، ورغم أنه ليس عند العرب أصلا شيء اسمه انتخابات! إلا أن استطلاعا لرأي المواطنين في إذاعة البي بي سي، حول التغيير في العالم العربي، قالت فيه مواطنة لبنانية عبارة عفوية دالة، قالت:" شو ما سوى الأوكرانية.... بدنا نسوي"!

 









 




 

 

 

 

 





 


 

 

 

 
 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا

Hit Counter