|
موعد في المهجر :
الإبداع في البلاد المسمومة بالقهر
هويدا طه /
القدس العربي
البرامج الحوارية.. أنواع، فهناك مجموعة برامج علي الفضائيات العربية من ذلك النوع الذي يسبب للبعض (غثياناً)، بما تحتويه من ثقل ظل مقدميها وضيوفها، أو ما تهتم به من تفاهات، وهناك برامج ـ قد تكون شهيرة ـ ولها شعبية، لكنها من ذلك النوع الذي يحدث ضجيجاً، ضجيج يسمونه (جعجعة بلا طحين)، وبينهما طيف واسع من برامج تمر وتصبح (عادة) عند كلا الطرفين، القناة التي تنتجها، والمشاهد الذي يتلقاها، دون أن يتوقف عندها البعض، لتأمل الدافع وراء إنتاجها، أو الأثر من وراء تلقيها. من بين تلك البرامج التي تبدو عادية هادئــــــة برنامـج " موعد في المهجر" علي قناة الجزيرة، وهو يعتمد علي تصوير لقاء مع شخصيات عــــربية من أي بلد عربي، رجالاً ونساءً، هاجروا في مطلع شبابهم، غالباً إلي أوروبا أو أمريكا أو كندا، وحققوا نجاحاً ملحوظاً ـ عملياً أو علمياً ـ وكونوا أسراً واستقروا هناك، وينقل البرنامج من خلال الحوار معهم تجربتهم في الهجرة من بلدهم الأصلي، الدوافع والصعوبات التي واجهتهم، والنقلة الحضارية والثقافية والمادية التي شعروا بها، وغير ذلك من ملامح تلك التجربة الثرية التي عاشوها، ويصور منازلهم ومقار عملهم وأبناءهم وأزواجهم أو زوجاتهم، والذين يكونون غالباً من جنسياتٍ مختلفة، من بلدٍ عربي آخر أو من بلد المهجر، وكيف تم التزاوج الثقافي بين هذين الشتيتين، وإلي جانب الحنين إلي ذكريات النشأة في بلدانهم الأصلية، والذي يبدو قاسماً مشتركاً بين كل الضيوف، هناك أيضا نقل لانطباعاتهم عن أوطانهم بعد أن زاروها للمرة الأولي بعد سنوات وسنوات من الغربة، ومرة أخري.. القاسم المشترك بينهم جميعاً.. هو الأسف والحزن والحسرة علي ما آلت إليه! ومن الشخصيات التي لا تنسي هدوءها وعمق تجربتها، وعرضها هذا البرنامج الجميل، ذلك القاضي الكهل، البريطاني من أصل فلسطيني، والذي بدت عباراته عن القدس ـ التي عرفها صبياً منذ عشرات السنين ـ مشحونة بشجن كبير، وتزامنت كلماته عنها مع نظرات عميقة للغاية، يهيئ إليك أن أشجار القدس وأزقتها العتيقة التي قرأت عنها تتراءي من خلالها في عينيه، وهناك حلقات نفذت مع شخصيات تثير حزنك علي وطنك العربي الكبير، الذي كان أملاً لم يتحقق أبداً، كحلقة الدكتور أحمد زويل الأمريكي الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء، وحلقة الدكتور فاروق الباز، عالم الجيولوجيا في وكالة ناسا الأمريكية، وحلقة الدكتور نبيل إسماعيل، البروفيسور في جامعة كونكورديا في كندا، وصاحب اختراعات مسجلة باسمه، وهؤلاء من أصل مصري، ومن الصعيد تحديداً! وحلقة مع صاحب دار نشر الهمبرا في السويد وهو من أصل مختلط مصري/لبناني، وحلقات عديدة مع نساء عراقيات ولبنانيات، وغيرهم كثيرون. في كل حلقة أو كل تجربة تتابعها معهم، تستنتج أن ذلك النجاح ما كان ليتحقق أبداً لو أن حياته أو حياتها استمرت بشكل عادي في البلد الأم كغيره من الملايين فيها، لماذا؟! هناك شيء (سامّ) في بلادنا.. يقتل الإبداع، يقتل التوق البشري الطبيعي إلي المعرفة، يقتل الأمل، يقتل الحماس، يغتال المواهب، يثبط الهمة، ويشيع اليأس، ويفقد الإنسان قدرته علي الابتكار، هناك فقر ينخر العظام، وهناك قهر وقمع يسلب الكرامة، ويحرم الإنسان العربي من الحرية، التي بدونها لا يبدع إنسان علي الأرض علما ولا أدبا ولا فنا، هناك ثقافة الخوف والذعر من البطش بكل من يحاول أن يغني خارج السرب، أي سرب! هذه كلمة لطيفة غير مناسبة.. بل القطيع! والبطش هذا ليس بطش (العسكر) فقط، فليست النظم السياسية المجرمة فقط هي ما يقتلنا في بلادنا، بل ثقافة المجتمع المتهالكة، التي تسمم عقولنا، وتوقف نموها، وتبطش بكل جريء يتمرد علي هذا السكون الذي نعيشه، ثقافة يفوح منها الإيمان بالخرافة، والخوارق، ثقافة تتعامل مع قوانين الطبيعة والجاذبية الأرضية ومدارات الكواكب بعقلية تتوهم السماء قائمة علي أعمدة! والملائكة مشغولة بأي قدم ٍ دخلنا الحمّام! وتعتبر السيف أصدق أنباء من الكتب! وتتمسك بسخافات يسمونها (العادات والقيم والتقاليد). لماذا ينبغي علينا أن نحافظ علي تلك القيم البالية؟ لماذا لا نهدمها كما هدمها آخرون.. فانطلقوا أحرارا وأبدعوا، إن تجارب الهجرة ـ أو الفرار ـ من أوطاننا السامّة.. منحت المهاجرين فرصة للتمرد، وفرصة الاختلاط بأمم تمردت.. فصنعت المستحيل، برنامج موعد في المهجر يرسل رسالة لمن يقدر علي فهمها من المشاهدين العرب، رسالة قد يكون مضمونها..... تمردوا.. أو.. موتوا!! |
| |||||||||
| جميع الحقوق محفوظة لموقع حماسنا | |||||||||||