فجأة انفجر بوجهنا لغم «تصريحات وزير الثقافة فاروق حسني
حول الحجاب». علمت به أولا من شريط الأخبار في قناة «الجزيرة»،
مساء الخميس 16/11/2006، الذي أفاد بأن «وزير الثقافة المصري يقول
إن الحجاب ظاهرة انكفائية». قلت:
يووووه...... تاااااني؟
لم أفكر لحظة في التعقيب، إذ أنني من الذين عاصروا حملة الغيظ العلماني من عودة المؤمنين إلى كتابهم والاستقامة على أوامره ونواهيه، وذلك منذ سنوات بدأت على استحياء بعد هزيمة 1967، واشتد عودها خلال السبعينيات في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وتزعمت حرمه، السيدة جيهان صفوت رؤوف، حمل راية «مكافحة الحجاب» التي أعلنت بها أن «الإسلام منه براء». وتعاونت مع حرم الرئيس أقلام كثيرة، على رأسها قلم الرائدة أمينة السعيد التي كرست رئاستها لمجلة «حواء» لنهش ما أسموه «المحجبات»، ورميهن بكل نقيصة مع وصفهن بأنهن «غربان» يلبسن «الخيمة»، و«يلوين عنق التاريخ إلى الوراء»، في «ردة إلى القرن السابع الميلادي»، الذي هو للعلم القرن الذي بعث فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برسالة التوحيد رحمة للعالمين.
لكنني وإن تركت أمر التعقيب فإنه لم يتركني، هاتفني الزملاء من شباب الصحفيين في استطلاعهم لردود الأفعال، فقلت على عجالة إن هذه تصريحات لو صحت تكون بمثابة «تحرش بالرأي العام المؤيد للزي الشرعي للمرأة، وقد يؤدي إلى فتنة تشغلنا عما هو أهم...إلخ». وتم نشر كلامي في أسطر قليلة بجريدة «المصري اليوم» و«الشرق الأوسط» (اللندنية) يوم السبت 18/11/2006، وهو اليوم نفسه الذي هاتفني فيه الأستاذ محمد ناصر، يطلب مني تسجيل رأيي في تقرير متلفز لبثه عبر قناة «دريم 2» لبرنامج العاشرة مساء، وتم التسجيل 13 دقيقة في منزلي، لكنه لم يبث حتى الآن. وفهمت أن أسرة البرنامج قررت عدم الدخول في المعمعة، وهو قرار لم يزعجني، بل لعلي رحبت به.
الذي
حدث أن «المعمعة» تواصلت، خاصة بعد اللقاء الذي بثته قناة «المحور»
مع السيد الوزير فاروق حسني مساء السبت 18/11/2006 من خلال برنامج
«90 دقيقة». ظل هاتفي يدق رأسي بأصوات من مشاهدات للبرنامج: «شايفة
الوزير بيقول إيه.... شايفة فلانة وفلان بيقولوا إيه....!». لم
أشاهد اللقاء من بدايته، لكن ما شاهدته كان كافيا ليؤكد لي أن
السيد الوزير لم يلحظ حجم الإساءات التي بدرت منه والتي
شجعت شهية نجوم «الاستثارة» ليتحلقوا خلفه،
يطلقون صرخات الاستدعاء لحلقة النار في وليمة نهش جماعية «للحجاب»
وشواء «المحجبات» بل وما هو أكثر، بدعوى الذود عن قيم «التنوير»
و«التحرير»، في حفل بدائي جاهل وقوده المغالطات والسفسطات،
فهذه فرصتهم ليتركوا كل مصائبنا الحقيقية
متلذذين بالتباجح الاستفزازي الذي ينتهجونه ويولد الفعل غير
المسؤول، ويدفعنا إلى إهدار الطاقة، بتكرار سرد البديهيات لإنعاش
الذاكرة، مستدرجين إلى المراء الفارغ.
ويبدو أنني مضطرة إلى تلخيص النقاط التي ذكرتها في تقرير برنامج
العاشرة مساء الذي لم يتم بثه، وقد بدأتها بتحفظ يؤكد أنني لن أدخل
في مراء حول ارتداء المسلمة للزي الشرعي الذي فرضه الله سبحانه
وتعالى عليها والذي حدده القرآن الكريم في «سورة النور» آية 31
بأمره: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن»، وما يخص القواعد من النساء في
آية 60 من السورة ذاتها: «فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير
متبرجات بزينة» فالمصداقية مرجعيتها علماء الدين والفقهاء أهل
الذكر، لكنني أدخل من زاوية حقيقة أن الوزير فاروق حسني هو وزير
الثقافة لكل مصر، وهو في موقع مسؤولية، لا يعطيه الحرية في أن
ينحاز لتيار ضد تيار غالبية أهل البلاد. فهو مقيد بهذه المسؤولية
وبهذا الموقع وبهذه الوظيفة، وإنني في عجب من احتجاجه على هذا
القيد وزعمه أن من حقه إعلان رأيه الخاص.
نعم،
سيادته له الحق كل الحق في أن يكون له رأيه
الخاص، أصاب أم أخطأ، ولكن «حريته»،
في التعبير الجارح المتحرش بالرأي العام،
مقيدة بمسؤوليته كوزير للثقافة لكل مصر. وإذا أراد هو، أو
أي مسؤول آخر، الاستمتاع بحريته كاملة غير منقوصة فعليه أن يتخلى
عن قيوده ويترك منصبه الذي يكبله، وعندها يكون قد أصبح خارج دائرة
الحرج والإحراج، له أن يقول ما شاء، وإن كان غير صحيح وغير لائق،
فها هي دائرة النار التي تزين له المغالطات وتدفعه إلى المزيد من
التورط فيما لا يجوز، تتمتع بكل حريتها في الصياح بأناشيد «التخوين»
الممجوجة، التي تقذف بالتهم على كل من أراد أن يستقيم على دين الله،
تارة بدعوى أنه «حزب سري» وتارة بأنه فكر وارد من هنا أو هناك، مثل
هؤلاء الذين يزعمون أن «ظاهرة» الالتزام بالزي الشرعي، الذي يسمونه
خطأ «الحجاب»، لصيقة بالمذهب الوهابي فحسب.
كأننا ليس لدينا كتاب الله بين أيدينا نقرأ فيه، وكأنه ليس
لدينا علماء يعلموننا أصول ديننا، وكأننا لا نعرف أن كل المذاهب،
تؤكد على أن الزي الشرعي للمرأة هو إظهار الوجه والكفين كحد أدنى.
وإنني لشديدة الأسف، أن يفاخر السيد الوزير، بأنه يسمح لموظفات وزارة الثقافة بارتداء الحجاب، مرة أخرى يقصد الزي الشرعي الذي هو الخمار. فالحجاب مصطلح له مدلول آخر، كأنه من الوارد أن يمنعهن، وأنه يسمح بالدفاع عن «الحجاب» في جريدة «القاهرة» التي تصدر عن وزارة الثقافة، كأن من حقه ألا يسمح. سيادة الوزير، إن جريدة «القاهرة»، تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، والوزراء يجيئون ويذهبون، والوزارة هي الأصل. هي مرفق يعود للشعب المصري، وإنني أشارك بالكتابة في «القاهرة»، بهذه الصفة، ولو أعلم أنني أكتب «في جريدة الوزير» فإنني لن أكتب !
إن هذه اللهجة في الكلام: «احنا سامحين لهم» غير مقبولة. فمن ذا الذي يحق له أن يسمح أو لا يسمح في هذا البلد المحترم للعقائد الإيمانية، ولا يزال دينه الرسمي الإسلام ؟
مصر
يا سيادة الوزير، لم تصبح بعد دولة «لا
دينية»، ولن تصبح إن شاء الله، لكنها مع ذلك،
متسامحة مع «اللادينيين». ونحن نرفض
«تكفير» من لا يلتزم بطاعة الله، فكيف يتأتى أن يتم رمي الملتزمين
بالاستقامة على الهدي القرآني، بالتخوين، و«الانكفائية»، و«العودة
إلى الوراء»، و«الردة»، وما إلى ذلك؟
والواقع أن التبرج وعدم الالتزام بالزي الشرعي، هو «الردة»، وهو «التخلف»،
وهو «العودة إلى الوراء»، إلى ما قبل الإسلام.
يتحرشون ويستفزون ويستدرجون الناس إلى إهدار الطاقة، لتأكيد ما هو بديهي وثابت ومحسوم، ثم يتهمون ضحاياهم بالانشغال بالأمور «التافهة»، تلك التي لا يكفون هم عن إثارتها في كل منابرهم، يعطلوننا بها، ويسرقون وقتنا !
يا سبحان الله: من الذي فجر اللغم وأثار الضجة وشوش علينا وأكثر اللغط في توقيت مخيف، يتهددنا فيه الجنرال «جون أبي زيد» قائد القيادة الأمريكية الوسطى المسؤولة عن العمليات الأميركية في الشرق الأوسط، بحرب عالمية ثالثة لمواجهة «التشدد الإسلامي» ؟
أذكر من مقدمة كتاب «جولستان»
أي «روضة الورد»، للشاعر سعدي الشيرازي، هذه الكلمات: «يعكر صفو
المرء أمران فاعجبن/ لنطق بلا داع ٍ وداع ٍ بلا نطق !».
¤¤¤¤¤¤¤¤




