الأبناء: الضغط يولِّد الانفجار ونطالب أهلَنا بالرحمة
...
الآباء: نرفض
مبدأ الوصاية .. واللامبالاة قد تكون حلاًّ
أن ينشأ الشاب في أسرة ملتزمة بالدين فهي نعمة يحمد الله عليها، فهو
ممن يظلُّهم الله بظلِّه يوم لا ظل إلا ظله "شاب نشأ في طاعة الله"،
ولكن بعض الشباب بدلاً من أن تسعده هذه النشأة يتمرد عليها ويفضِّل أن
يحيا حياته بعيدًا عن الالتزام.. لماذا؟! وهل تمثل هذه المشكلة ظاهرة
في المجتمع؟ وإلى أي مدى تصل خطورتها؟!
طرحنا هذه المشكلة على الشباب وعدد من الدعاة والمهتمين فكان هذا
التحقيق:
يقول محمد عبد الفتاح (17 سنة):
"إن شدة الأهل ورفضهم تحقيق رغبات أبنائهم لأنها حرام يجعل الأبناء
ينفرون من التدين والالتزام الذي يحرمهم من تحقيق رغباتهم، وبالتالي
يبتعدون عن الالتزام لهذا السبب.
أما عمر عبد الفتاح (21 سنة)
فيقول: "ولماذا لا أجرِّب كل شيء بحيث أصل في النهاية لقراراتي
وقناعاتي الشخصية، وما أريد أن أفعله وما لا أريد، ولماذا يرسم لي
والدي خطواتي مسبقًا ويريد مني أن أمشي على هذه الخطوات؟ إنني إنسان
كامل الأهلية ومسئول عن تصرفاتي، وسأحاسَب عليها أمام الله وليس أبي،
فليتركني حتى أختار بنفسي.
حرمان باسم الدين
نسيبة حسين (20 سنة) ترى أن بعضَ
الأهالي من الملتزمين "يخنقون" أحلامَ أبنائهم؛ فإذا تمنى الطفلُ أن
يصبح ممثلاً مثلاً أو مغنيًا قالوا له: حرام، فيشعر أن الدين هو الذي
يحرِمه من أحلامه، فماذا لو قالوا له: عندما تكبر ستختار ما تريد،
وبالتالي يشعر الطفل أن الدين لا يحرمه من أحلامه.
وتتفق معها منال إسماعيل (23 سنة)
قائلةً: "إحدى مشكلاتنا كأبناء للملتزمين أن أهالينا لا يتركون لنا
فرصةً للاختيار؛ فهم يرون أن المسألة غير قابلة للجدل والنقاش، فحلقة
المسجد لا بد من الذهاب إليها في كل الأحوال، وليس من حقي أن أُغيِّر
الحلقة التي أكون فيها إذا كان بها ما يضايقني، وأغلب القرارات الأسرية
تصدر في صورة أوامر لا مجال لمناقشتها، فتكون النتيجةُ في النهاية أن
يتمرَّد الأبناء على هذا الأسلوب المستفز.
لسنا ملائكة
أما أمل عبد الستار (18
سنة) فتواجهها مشكلةٌ مختلفةٌ؛ حيث إن والديها ملتزمان ومعروفان، سواءٌ
في مجتمع الملتزمين أو المجتمع العام بصورة كبيرة؛ ولذلك فهي تجد نفسها
مطالبةً بأن تكون قدوةً وتحاسب على كل شيء في تصرفاتها، وأخطاؤها ليست
أخطاءً شخصيةً ولكنها تضر بالدعوة.
وتقول أمل: "أعتقد أننا عندما نعامَل بهذه الصورة، فالأمر فيه قدرٌ من
الظلم، فليس من العدل أن يحمِّلونا أعباء فوق طاقتنا وأكبر من أعمارنا
الحقيقية، نحن لسنا ملائكةً، نحن بشرٌ طبيعيون جدًّا، نخطئ ونصيب،
ونلهو ونجتهد في الجد، ونطيع ونقع في معاصٍ، نحن لسنا ملائكةً وآباؤنا
أيضًا ليسوا كذلك.
ويتفق معها وائل عبد الكريم (19
سنة) مضيفًا أن هناك خطأ يصدر من الملتزمين، وهو اعتمادهم على أن
أبناءهم يتربون ويتعلمون في المسجد كل ما هم في حاجة إليه، ومن جهة
ثانية يعتمد المسجد على أن هؤلاء من بيوت ملتزمة، وبالتالي فلا بد أن
الأهل علموهم وربوهم على هذه الأمور، فتكون المحصلة أن معلوماتنا تكون
50% بالنسبة لباقي المجموعة من الشباب الذين يعيشون في بيوت عادية،
وتظهر في صورة أقل منهم التزامًا وعلمًا.
ذنوب صغيرة
ويرى عبد الله مصطفى (16 سنة) أن
المسألةَ لا تعتمد تمامًا على البيت؛ لأن- في رأيه- مجموعةُ الأصحاب
مهمةٌ جدًّا؛ لأن الشاب غالبًا يحب أن يقلد أصحابه ويجاريهم، ويقول لن
أكون أنا الوحيد الذي يسمع طوال الوقت: هذا حرام.. هذا لا يجوز، وإنما
ينبغي عليَّ أن أندمج معهم حتى لو قدمت بعض التنازلات!! ولا بأس من بعض
الذنوب الصغيرة التي أستغفر الله منها فيما بعد، في سبيل أن أستمتع
بحياتي.
وتوافق داليا عبد الحميد (20 سنة)
على تأثير الأصدقاء وتقول: إنه قد يكون بُعد الأبناء عن الدين أحيانًا
من باب العناد في الآباء من ناحيةٍ لإثبات استقلال شخصياتهم، ومن ناحية
ثانية لأن الأهل ضغطوا عليهم كثيرًا، سواءٌ في طفولتهم أو شبابهم،
وحرموهم من أشياء صغيرةٍ فعلُها لا يضر، ولكن المنع منها عواقبه أشد.
ويسأل حازم خليل (19 سنة) ما
المشكلة إذا كنت لا أحب التدين؟! ربما أن الله لم يقدر لي الهداية الآن
وربما أعود إلى التدين فيما بعد، ثم إنني أرى أني طالما لست قادرًا على
التدين فـ"حظي ونصيبي كده" لأني قد أُسيء إلى الالتزام والملتزمين
والدين عمومًا بتصرفاتي، ولا أحب أن أشعر أني منافقٌ أعمل الذنوبَ
وأظهر أمام الناس بأني شيخٌ، أفضِّل ألا أظهر في صورة الملتزم دينيًّا
أصلاً.
مشكلة عامة
ويعلق د. عصام العريان على
آراء الشباب بقوله: هذه المشكلة مشكلةٌ عامة، وليست متعلقةً فقط بأبناء
الملتزمين، ولكن أغلب الشباب في هذه المرحلة من العمر يتمردون على سلطة
الآباء (لن أعيش في جلباب أبي) ويريدون أن يشعروا بالاستقلالية، وأبناء
الملتزمين أطوع لآبائهم من باقي الأبناء، والأمر يحتاج إلى قدرٍ كبير
من المرونة من جهة الأب والأم، وعليهما ألا ينفعلا على أبنائهما بالعنف
فتكون الخسارة والندم، ولكن بالحوار والاستيعاب والبعد تمامًا عن أسلوب
القهر والضغط والأوامر.
وأحيانًا تنفع اللامبالاة في حل المشكلة، ويمكن الاستعانةُ بالأصدقاء
والأقارب القريبين للأبناء في السن، والذين يحيون في نفس الوسط والبيئة
لمساعدة هؤلاء الأبناء على العودة إلى طريق الحق والصواب وطريق
الالتزام، وأقول للآباء: لا يجوز أن تشغلنا الدعوةُ خارج المنزل عن
دعوة أبنائنا التي هي فرضٌ علينا ﴿وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214)﴾ (الشعراء) أما الأبناء فأقول
لهم: استمتعوا بحياتكم قدر ما تستطيعون ومتعوا أنفسكم كما تحبون ولكن
في طاعة وليس في معصية.
الحب والحرص
أما د. طلعت عفيفي-
الأستاذ بجامعة الأزهر- فيقول: "إن التوفيق وعدمه بيد الله سبحانه
وتعالى، وقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم عن ابن سيدنا نوح-
عليه السلام- أنه لم يتبع دعوته فكان من الهالكين، وبالتأكيد فإننا نضع
في اعتبارنا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من
الآية 56)، ويبقى دور الأهل في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر بإعطاء القدوة الحسنة والصبر عليهم، وخاصةً لو كانوا شبابًا.
وعلينا بالدعوة بالحكمة وتنويع أسلوب
الدعوة لنأخذ بيدِ هؤلاء الشباب إلى طاعة الله دون قهر أو قسر أو تغليظ؛
لأن النتيجة تكون عكسيةً وعلينا الدعاء لهم بأن يُصلح الله حالهم،
وأنبِّه الشباب إلى أنهم لن يجدوا من يحب أن يعلو عليه أحد أو يفضله
أحد إلا الأب؛ فإنه يحب لأبنائه أن يكونوا أفضل منه، وبالتالي عليهم أن
ينظروا إلى أن دعوةَ الآباء لهم لا تنطلق إلا من منطلق الحب والحرص
ورجاء الخير لهم في الدنيا والآخرة.. فلنمد يد العون ولنتعاون على طاعة
الله والسير لنكوِّن بيوتًا مسلمةً يسعد بها الجميع، ولنذكر من قول
الأحنف بن قيس: (ولا تكونوا ثقلاً ثقيلاً عليهم فيملوا حياتكم ويتمنوا
وفاتكم).
مجرد حالات
ويدافع الدكتور حلمي الجزار بقوة
عن أبناء الملتزمين فيقول: "هي حالات ولكنها ليست عامةً، أعترف أن
أبناء الملتزمين منتظرٌ منهم أن يكونوا الأكثر التزامًا، ولكن في ظني
لو قمنا بعمل إحصاء لوجدنا أن 90% منهم ملتزمون و10% فقط هم الأقل
التزامًا".
ويفسر د. حلمي السبب بقوله: إن الزملاء في هذه السن يكون لهم تأثيرٌ
كبيرٌ على بعضهم البعض، كما أن انشغال الآباء قد يؤثر على سلوك الأبناء،
فهذه الظاهرة منتشرةٌ بين الشباب أكثر من الفتيات؛ لأن الأم معظم الوقت
تكون في البيت والبنت لصيقةٌ لها، أما الشابُّ فيحتاج إلى أبيه،
وغالبًا لا تستطيع الأم أن تؤثر فيه ..
فالمطلوب من الآباء أن يتعايشوا مع أبنائهم بصورة كبيرة، وليعلموا أن
الإصلاح لن يتأتى بأن يأمر الأب ابنه فيستجيب، ثم إنه إذا لم يستجب
تتفاقم المشكلة، فلنتعامل مع أبنائنا بفقه الدعوة، وليتعاون الآباء
والجهة التربوية، سواءٌ في المسجد أو غيره للوصول إلى أفضل النتائج
والعبور بهؤلاء الأبناء إلى بر الأمان
********